الشيخ السبحاني
190
الموجز في أصول الفقه
الهلكات » . إنّ مورد التثليث الوارد في كلام الوصيّ هو الشبهات الحكميّة ، وحاصل التثليث أنّ ما يبتلى به المكلّف إمّا بيّن رشده فيتّبع ، وإمّا بيّن غيّه فيجتنب ، وامّا الأمر المشكل فلا يفتي بما لا يعلم حتى يرجع حكمه إلى اللّه . والجواب انّ التثليث في كلام الوصيّ ينسجم مع الطائفة الأولى من حرمة الإفتاء بغير علم . وأمّا التثليث في كلام الرسول ، فموردها الشبهات الموضوعيّة التي يقطع بوجود الحرام فيها ، وهي تنطبق على الشبهة المحصورة ، حيث إنّ ظاهر الحديث أنّ هناك حلالا بيّنا ، وحراما بيّنا ، وشبهات بين ذلك ، على وجه لو ترك الشبهات نجا من المحرمات ، ولو أخذ بها ارتكب المحرمات ، وهلك من حيث لا يعلم وما هذا شأنه فهو خارج عن الشبهة البدويّة التي هي محل النزاع ، ومنطبق على الشبهة المحصورة . وإن شئت قلت : إنّ الرواية ظاهرة فيما إذا كانت الهلكة محرزة مع قطع النظر عن حديث التثليث ، وكان اجتناب الشبهة أو اقترافها ملازما لاجتناب المحرمات واقترافها ، حتى يصحّ أن يقال : « فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات » وما هذا شأنه لا ينطبق إلّا على الشبهة المحصورة لا الشبهة البدوية التي لا علم فيها أصلا بالمحرمات . وأنت إذا استقصيت روايات الباب تقف على أنّ أكثرها لا مساس لها بمورد البراءة ، وما لها مساس محمول إمّا على الاستحباب ، أو التورّع الكثير . ج : الاستدلال بالعقل نعلم إجمالا - قبل مراجعة الأدلّة - بوجود محرمات كثيرة في الشريعة التي