السيد البجنوردي

60

منتهى الأصول ( طبع جديد )

يكون الوجوب غير ملتفت إليه ، وإلّا يخرج عن كونه تجرّيا . وأمّا الدعوى الثالثة - وهي أنّ التجرّي لو صادف المعصية الحقيقية يتداخل عقابهما - ففيها : أنّ ذلك محال ؛ إذ يلزم منه الجمع بين النقيضين ؛ إذ قوام التجرّي بعدم مصادفة الواقع ، والمعصية بمصادفتها له ، فهما متناقضان لا يجتمعان . ووجّه شيخنا الأستاذ رحمه اللّه الدعوى الثالثة : بأنّه يمكن أن يكون مراده - وإن كان خلاف ظاهر كلامه - ما إذا قامت الحجّة على كونه حراما كذا وأخطأت ، وما كان ذلك الحرام لكنّه كان حراما آخر ، مثلا قامت البيّنة على خمرية مائع وأخطأت ، وما كان خمرا ولكنّه كان مغصوبا ، وقلنا بأنّ قيام البيّنة أو العلم بحرمة شرب هذا المائع ، ولو من جهة اعتقاد أنّه خمر يكفي في تنجّز حرمته من جهة الغصبية . فحينئذ يكون هذا تجرّيا باعتبار اعتقاد أنّه خمر مع عدم كونه خمرا ، ومعصية حقيقية من جهة كونه مغصوبا ، وتنجّز حرمته الغصبية بواسطة العلم أو قيام البيّنة على أصل الحرمة وإن لم يعلم بخصوص الغصبية . ولكنّه يمكن أن يقال على تقدير تنجّز الحرمة الواقعية الموجودة بالعلم أو البيّنة فيكون معصية حقيقية ، وليس من التجرّي . وعلى تقدير عدم تنجّزه فليس هناك معصية حقيقية ، بل هو تجرّ فقط . وظنّي : أنّ مراده - صاحب الفصول قدّس سرّه - من التجرّي الجرأة على المولى ، وعدم الاعتناء بما قامت الحجّة على أنّه واجب أو حرام ، وهذا المعنى مشترك بين التجرّي الاصطلاحي والمعصية . فلو كان هذا المعنى موجبا لاستحقاق العقاب وسببا له ففي المعصية الحقيقية يوجد سببان : أحدهما هذا المعنى ، والآخر مخالفة الواجب أو الحرام