السيد البجنوردي
30
منتهى الأصول ( طبع جديد )
في التنزيل الأوّل ليس بالوجدان ولا بالتعبّد أيضا ، إلّا بتنزيل العلم بالمؤدّى منزلة العلم بالواقع . وبعبارة أخرى : ليس إلّا بتنزيل العلم الوجداني بالواقع التعبّدي منزلة العلم الوجداني بالواقع الحقيقي . ومعلوم أنّ مثل هذا التنزيل أيضا متوقّف على التنزيل الأوّل ؛ لأنّ المنزّل في هذا التنزيل الثاني لا يتحقّق إلّا بالتنزيل الأوّل ، فصار التوقّف من الطرفين . وبعبارة أوضح : تنزيل المؤدّى منزلة الواقع متوقّف على تنزيل العلم الوجداني بالواقع التعبّدي - أي المؤدّى الذي نزّل منزلة الواقع منزلة العلم الوجداني بالواقع الحقيقي - وهذا التنزيل - أي تنزيل العلم الوجداني بالواقع التعبّدي منزلة العلم بالواقع الحقيقي ، الذي هو على الفرض مدلول التزامي لأدلّة اعتبار الأمارات والأصول - متوقّف على التنزيل الأوّل الذي هو مدلول مطابقي على الفرض - أي تنزيل المؤدّى منزلة الواقع - وهذا هو الدور . هذا ما ذكره صاحب « الكفاية » رحمه اللّه في هذا المقام . ولكن أنت خبير أوّلا : بأنّ صحّة هذا الكلام متوقّف على أن يكون معنى حجّية الأمارات واعتبار الأصول جعل المؤدّى فيهما منزلة الواقع ، وستعرف في باب حجّية الأمارات : أنّ هذا المسلك خلاف التحقيق ويترتّب عليه مفاسد ؛ من جملتها : أنّه يلزم منه إمّا التصويب المعتزلي الباطل أو اجتماع الضدّين ، ومن جملتها الإجزاء بالنسبة إلى الأوامر الظاهرية ، ومن جملتها حكومة الواقعية لأدلّة اعتبار الأمارات والأصول على الأدلّة المتكفّلة للأحكام الواقعية لا الحكومة الظاهرية . ومنشأ جميع هذه المحاذير هو : أنّ الجعل التشريعي لا يمكن أن يكون جزافا وبلا مصلحة ، كالجعل التكويني . فلا بدّ من القول - كما قيل ، بل ربّما نسب إلى شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي رحمه اللّه - بأنّ قيام الأمارة تحدث مصلحة في