السيد البجنوردي

50

منتهى الأصول ( طبع جديد )

بالطرفين ، ولا استقلال لها في الخارج كذلك الربط الذهني قائم بالطرفين ، ولا استقلال له في الذهن . وحينئذ فألفاظ الجملة ما عدا الحروف تدلّ على تلك المفاهيم الذهنية المستقلّة ، والحروف والهيئات تدلّ على تلك النسب والارتباطات غير المستقلّة القائمة بأطرافها ، وإلّا فلو تصوّرنا مفاهيم متعدّدة غير مرتبطة كأن تصوّرنا مفهوم زيد وحده ، وتصوّرنا مفهوم قائم وحده فكيف يمكن أن نوجد بينهما ارتباطا بواسطة الهيئات أو الحروف ؛ لأنّ الواقع لا ينقلب عمّا هو عليه . مثلا لو فرضنا أنّ زيدا في الخارج وجد بلا قيام والقيام وجد بلا ارتباط بينه وبين زيد فهل يعقل جعل ارتباط في الخارج بين شيئين موجودين ، لا ارتباط بينهما ؟ وكذلك في وعاء الذهن إذا وجد مفهومان غير مرتبطين لا يمكن جعل الارتباط بينهما بلا آلة ، ولا مع الآلة . وبعبارة أخرى : قد جعل اللّه - تبارك وتعالى - للإنسان قدرة تكوينية على إيجاد المعاني والمفاهيم في الذهن منفردة ومتعدّدة ، والمتعدّدة غير مرتبطة بعضها ببعض ومرتبطة بلا احتياج إلى آلة في إيجادها على تلك الكيفية ، فالوضع لهذا الغرض لغو . نعم ، الاحتياج إلى الوضع من ناحية إبراز هذه المعاني المتصوّرة وإلقائها إلى المخاطب في مقام التفهيم والتفهّم . وحيث إنّ إلقاء تلك المعاني والمفاهيم الموجودة في الأذهان بأعيانها غير معقول ؛ لأنّها متقوّمة بالذهن ، بل من شؤونها وأطوارها فلا بدّ من إلقاء شيء آخر يمكن إلقاؤه إلى المخاطب ؛ بحيث يكون إلقاء ذلك الشيء الآخر إلقاء له ، وذلك لا يمكن إلّا بأن تكون بينهما هوهوية ولو جعلية اعتبارية . ولذلك قلنا : إنّ حقيقة الوضع هي الهوهوية الاعتبارية .