السيد البجنوردي
269
منتهى الأصول ( طبع جديد )
بلزوم تحصيل القدرة أو حفظها ليس لمصلحة في التحصيل أو الحفظ ، بل من جهة إمكان الامتثال حتّى لا يصير الامتثال ممتنعا بالاختيار ، فيدخل في موارد قاعدة « الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا » ، فحكم العقل في الحقيقة هاهنا بملاك الأمن من العقوبة في مقام الامتثال . وهذا المقام ليس مورد جريان قاعدة الملازمة ؛ لما عرفت ، فلا يمكن استكشاف الحكم الشرعي من هذا الحكم العقلي ؛ لأنّه واقع في سلسلة معاليل الأحكام لا عللها . وأنت خبير : بأنّ حكم العقل في هذا المقام ناشئ عن نفس الملاك والمصلحة ، التي في الواجب ، فكما أنّ المقصود من الأمر النفسي هو وجود المصلحة المترتّبة على المأمور به وحفظ تلك المصلحة ، وحيث إنّه في المقام لا يمكن تحصيل تلك المصلحة بصرف الأمر والبعث نحو الواجب ، الذي هو ذو المصلحة ؛ لأنّه في زمان طلبه غير مقدور على الفرض فلا بدّ للآمر الحكيم من جعل آخر متعلّق بالمقدّمات الوجودية المفوّتة على التفصيل الذي تقدّم ، حتّى يستوفي المصلحة في زمان إمكان تحصيلها . فهذا الجعل الآخر أيضا ناشئ عن تلك المصلحة وذلك الملاك ، فليس من قبيل أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ * « 1 » ؛ لأنّه إرشاد محض إلى الفرار عن العقاب ، وليس ناشئا عن المصالح والمفاسد الموجودة في متعلّق الأحكام ومن جهة حفظها ؛ لأنّ المفروض ورود هذا الأمر وما يشبهه بعد جعل الشارع وتشريعه ما يوجب حفظ المصالح الواقعية ، وبعد سدّ جميع أبواب عدم ما له المصلحة ووجود ما له المفسدة في عالم التشريع ومن قبله . إن قلت : كان له الإيكال إلى حكم العقل ، فيكون جعله لغوا وبلا فائدة .
--> ( 1 ) - الأنفال ( 8 ) : 1 .