السيد البجنوردي
246
منتهى الأصول ( طبع جديد )
وأمّا أنّ جعل الأحكام على أيّ النحوين فالظاهر بل المتعيّن أنّه على نهج القضايا الحقيقية ؛ لأنّ الجعل التشريعي مثل الجعل التكويني تابع للمصالح والمفاسد ، فإذا كان في علم اللّه تعالى صدور الحجّ مثلا عن الإنسان العاقل البالغ المستطيع من أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله ذا مصلحة ملزمة تتعلّق إرادته التشريعية بلزوم صدوره عن كلّ من ينطبق عليه مثل هذا العنوان ، وإلّا يلزم تخلّف الإرادة عن ملاكها ، وهو من قبيل انفكاك المعلول عن علّته . وبعبارة أخرى : المصالح الموجودة في الأفعال الصادرة عن الأشخاص المقيّدة بقيود خاصّة من العناوين والعوارض الطارئة على الإنسان ، التي لها دخل في مصالح تلك الأفعال الصادرة من تلك الأشخاص معلومة في الأزل ؛ لأنّه لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة ، فإذا كانت الإرادة تابعة للعلم بالمصلحة - كما ذكرنا ، وقلنا : إنّ نسبتها إلى المصلحة التامّة الملزمة مثلا في الواجبات نسبة المعلول إلى العلّة « * » - فلا محالة يقع ذلك العنوان الكلّي المتعلّق بموضوع خارجي كلّي تحت الإرادة ، وذلك كقوله « أكرم العلماء » مثلا . فالإرادة الأزلية تعلّقت بطبيعة الإكرام المتعلّقة بطبيعة العلماء مثلا ؛ لأنّ
--> ( * ) - إنّ حقيقة إرادته تعالى مطلقا هو العلم بالصلاح ، فإن كان المعلوم ما هو صلاح بحسب النظام الكلّي ، فنفس هذا العلم من دون حالة منتظرة علّة للتكوين ؛ فإنّ المحلّ قابل يسأل بلسان استعداده الدخول من دار الوجود والمبدأ تامّ الإفاضة لا يخل في ساحته المقدّسة والوجود بما هو خير محض ، فلا محالة يستحيل تخلّف المراد عن هذه الإرادة وإن كان المعلوم ما هو صلاح بحسب بعض الأشخاص لا بحسب النظام التامّ . فحيث إنّ مقتضى العناية الربّانية سوق الأشياء إلى كمالاتها وإعلام المكلّفين بصلاحهم وفسادهم فهذا العلم يقتضي تحريكهم إلى ما فيه الصلاح والرشاد ، وزجرهم عمّا فيه الفساد . فهذه الإرادة متعلّقة بالبعث والتشريع دون الخلق والتكوين .