السيد البجنوردي

186

منتهى الأصول ( طبع جديد )

ضروريا . وترتّب الفعل على الإرادة أيضا ضروري ، فأين الاختيار ؟ وأجاب الحكماء عن هذا الإشكال : بأنّ وجوب الفعل وكونه ضروريا من ناحية إرادته لا ينافي الاختيار ؛ وذلك لأنّ الفاعل المختار القادر الحكيم إذا علم بوجود المصلحة الملزمة في فعل لا محالة تتعلّق إرادته بذلك الفعل ، ويصير الفعل واجبا بالقياس إلى علّته التي عبارة عن الإرادة ؛ لأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد . والوجوب بالغير لا ينافي الإمكان الذاتي ، وكذلك الوجوب بالقياس إلى الغير لا ينافيه ؛ ولذلك قالوا : إنّ كلّ ممكن محفوف بالضرورتين . ومع ذلك لا يخرج الفعل عن كونه فعلا اختياريا ؛ لأنّ مناط اختيارية الفعل هو أنّه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل « * » ، وأمّا وجوب الفعل بالغير وعدم كونه كذلك فخارجان وأجنبيان عن الاختيار ، وإلّا لو كان وجوب الفعل موجبا لخروج الفعل عن الاختيار يلزم أن لا يكون الواجب تعالى - والعياذ باللّه - فاعلا مختارا ؛ لأنّ الصادر الأوّل منه تعالى لا بدّ أن تكون ذاته تعالى علّة تامّة لوجوده ؛ لأنّ المفروض أنّه ليس هناك شيء غير ذاته تعالى موجودا بأدلّة التوحيد . فصدور الصادر الأوّل يكون واجبا ضروريا ، وإلّا يلزم تخلّف المعلول

--> ( * ) - وبعبارة أخرى : أنّ مقتضى العناية الربّانية سوق الأشياء إلى كمالاتها وإعلام المكلّفين بصلاحهم وفسادهم وتحريك المكلّفين إلى ما فيه الصلاح والرشاد وزجرهم عمّا فيه الفساد والإضلال . فاللّه تبارك وتعالى يوحي إلى نبيه على نحو الإرادة التشريعية ، فتنقدح النفس النبوية بهذه الأحكام الشرعية ، والرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يبلّغ تلك الأحكام والقوانين إلى عامّة المسلمين ويحذّرهم من المخالفة ، وأين هذا من الجبر والقهر . ولعمري لو أمعنّا النظر إلى كيفية الإيحاء إلى الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكيفية تبليغه إلى المجتمع الإسلامي لم يبق مجال لطرح كثير من هذه المباحث .