الشيخ اسماعيل الصالحي المازندراني

47

مفتاح الأصول

وفيه : أنّ البحث لو كان كذلك ، لكانت المسألة فقهيّة ، نظير البحث في أنّ غليان العصير العنبيّ ، هل يوجب حرمته ، أم لا ؟ أو هل يوجب نجاسته ، أم لا ؟ إذ لا يخفى عليك ، أنّ البحث في كلتا المسألتين يكون عن أحكام فعل المكلّف . التّقريب الثّاني : أنّ البحث عن التّجرّي صورته هكذا ، هل يكون فعل الشّيء المقطوع حرمته ، قبيحا للتّجرّي ، أم لا ؟ فإذا حكم بالقبح عقلا ، وصل الدّور إلى الملازمة والحكم شرعا بالحرمة من باب أنّ « كلّ ما حكم به العقل ، حكم به الشّرع » فالبحث حينئذ يكون عن الملازمة ، فيندرج في الأصول ، كسائر موارد الملازمات العقليّة المستقلّة وغير المستقلّة ، من مسائل الإجزاء ومقدّمة الواجب واجتماع الأمر والنّهي ودلالة النّهي على الفساد والضّدّ . وقد أورد على هذا التّقريب أوّلا : بأنّ قاعدة الملازمة غير تامّة ؛ إذ ربما يدرك العقل قبح شيء ويراه شرّا مكروها ، وهو حسن وخير واقعا ، ملائم مطلوب حقيقة ، كما ربما يعكس الأمر ، فيدرك العقل حسن شيء ويراه خيرا مطلوبا ، وهو قبيح وشرّ واقعا ، وإلى هذا أشار قول اللّه تعالى : عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ « 1 » . والسّر فيه : قصور العقل وعدم علمه وإدراكه المحيط النّافذ ، كما أشار إليه الكتاب وهو قول اللّه عزّ وجلّ في ذيل الآية المتقدّمة : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * ، وكذا السّنة وهو ما ورد في الأخبار : « إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول » « 2 » .

--> ( 1 ) البقرة ( 2 ) ، الآية 216 . ( 2 ) مستدرك الوسائل : ج 17 ، ص 262 .