المحقق النراقي
57
مفتاح الأحكام
وأمّا ما ذكر من أنّ من لاحظ شدّة اهتمام العلماء في ضبط الأقوال يحصل له العلم باتّفاق الجميع ، فإن أراد جميع العلماء الذين يتعارف نقل أقوالهم وذكر خلافهم ، فلا بأس بتسليمه ، ولكنّه لا يفيد . وإن أراد جميع العلماء حتّى المعصوم عليه السّلام ، فحصول العلم الذي ادّعاه في حيّز المنع جدّا ، حيث إنّ غاية ما يستفاد ممّا ذكر هو العلم بعدم وقوع الخلاف من عالم ينقل قوله ويدوّن وفاته وخلافه من أرباب الآراء وأصحاب التراجيح . وأمّا دلالته على وفاق المعصوم فمشكلة ، بل العلم باتّفاق جميع علماء الرعيّة أيضا ممنوع ، كيف ؟ وإنّه يتوقّف على العلم أوّلا بأنّ جميع أقوال جميع العلماء قد ظهر منهم ، ثمّ بأنّ ما ظهر منهم وصل إلى المصنّفين ، ثمّ بأنّ كلّ ما وصل إليهم ودوّنوه وصل إلينا ، فإنّه ربما دوّن بعض الأقوال في بعض الكتب الذي اضمحلّ أو بقي ولم يصل إلينا ، ومن أن يحصل هذا العلم مع تمادي الأزمنة ، وكثرة العلماء في كلّ زمان ، واتّفاق كثير منهم في فتوى ليس فيها مصنّف ، ولم يدوّنوا أنفسهم أقوالهم . وأيضا نقل المصنّفين أقوال جميع علماء عصرهم غير متعارف ، وبعد انقضاء العصر فالإحاطة بجميع من كان فيه مستبعد جدّا . وأمّا ما ترى من العلم بعدم الخلاف في كثير من الأحكام فإنّما هو إمّا في المسائل الضروريّة التي سبب ذلك العلم فيها ضروريّتها ، أو ما يقاربها ممّا عليه الدلائل الواضحة التي يعلم بسبب وضوح المأخذ أو الضرورة أنّ الكلّ قائلون به ، ولا شكّ في أنّ في امتثال ذلك لا حاجة إلى الإجماع . نعم ، إذا كانت المسألة ممّا تعمّ به البلوى وكانت ممّا يحتاج إليها الأكثر في الأكثر ، وتتبّعنا تتبّعا تامّا ونرى جميعهم متوافقة الأقوال ، ولم ينقل من أحدهم خلاف ، ومع ذلك انضمّت معها قرائن خارجيّة من تكرّر ادّعاء الإجماع والتحاشي عن المخالفة والإنكار على التشكيك ، يحصل الظنّ بأنّ قول جميع العلماء ينحصر في الواحد .