هيثم هلال

59

معجم مصطلح الأصول

فيكون البيان قاطعا للاحتمال مقرّرا للحكم على ما اقتضاه الظاهر . وذلك نحو قوله تعالى : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ الحجر : الآية 30 ] فصيغة الجمع تعمّ الملائكة على احتمال أن يكون بعضهم ، وقوله تعالى : كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ الحجر : الآية 30 ] بيان قاطع لهذا الاحتمال . وكذلك قوله تعالى : وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : الآية 38 ] يحتمل المجاز ، لأن البريد يقال له : طائر فإذا قال : « يطير بجناحيه » بيّن أنه أراد الحقيقة . وفي الحق أن هذا البحث لغويّ يبحث في موضع آخر من أبحاث اللغة وليس في هذا الباب الذي هو ( البيان ) الذي هو من أقسام الكتاب والسّنّة . بيان الضرورة ويعرّف بأنه نوع من البيان يحصل بغير ما وضع له في الأصل . وهو على أربعة أوجه : فمنه ما ينزل منزلة المنصوص عليه في البيان ، ومنه ما يكون بيانا بدلالة حال المتكلم ، ومنه ما يكون بيانا بضرورة دفع الغرور ، ومنه ما يكون بيانا بدلالة الكلام . فالأول نحو قوله تعالى : وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [ النّساء : الآية 11 ] فإنه لمّا أضاف الميراث إلى الأبوين صدر الكلام ، ثم بيّن نصيب الأمّ كان ذلك بيانا أن للأب ما بقي ، فلا يحصل هذا البيان بترك التنصيص على نصيب الأب . بل بدلالة صدر الكلام يصير نصيب الأب كالمنصوص عليه . والثاني كالسكوت من صاحب الشرع عن معاينة شيء عن تغييره يكون بيانا منه لحقّيّته باعتبار حاله ، فالبيان واجب عند الحاجة إلى البيان . فلو كان الحكم بخلافه لبيّن ذلك لا محالة ، ولو بيّنه لظهر . والسكوت بعد وجوب البيان دليل النفي ، كسكوت الصحابة عن بيان قيمة الخدمة للمستحق على المغرور ، فهو دليل على نفيه ، بدلالة حالهم ، لأن المستحقّ جاء يطلب حكم الحادثة وهو جاهل بما هو واجب له ، فكان يجب عليهم في مثل هذه الحادثة ، وهي أول ما وقع بعد الرسول عليه السلام ، مما لم يسمعوا فيه نصّا ، كان يجب عليهم البيان بصفة الكمال . والثالث من الأوجه هو كنحو سكوت المولى عن النهي عند رؤيته العبد يبيع ويشتري ، فإنه يجعل إذنا له بهذا في التجارة ، لضرورة دفع الغرور عمن يعامل العبد ، فإن في هذا الغرور إضرارا بهم ، والضرر مرفوع ومدفوع ، ولذا لم يصحّ الحجر الخاص بعد الإذن العام المنتشر . والناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة يعاملونه مع العبد ، وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين منه ، ويستدلون بسكوته على الرضا ، فسكوته كالتصريح بالإذن لضرورة دفع الغرور .