الشيخ محمد صنقور علي البحراني
589
المعجم الأصولى
258 - توقف الوضع على تصوّر المعنى واللفظ من الواضح انّه لا يتأتى الحكم على شيء إلّا بعد تصوّره ، إذ انّ إثبات شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له في عالمه ، ولما كان وعاء الحكم هو الذهن فحينئذ لا بدّ من تصوّر موضوعه في رتبة سابقة عن جعل الحكم عليه . وباتضاح هذه المقدمة نقول : انّ الوضع عبارة عن جعل لفظ دالا على معنى ، فالوضع بهذا حكم على المعنى كما هو حكم على اللفظ ، أي انّ المعنى واللفظ كلّ منهما يمثل جزء موضوع لقضيّة يكون المحمول فيها هو الوضع ، فكأنّما الواضع يشكل قضيّة هذه صورتها « اللفظ والمعنى يدلّ الأول منهما على الثاني » ، فاللفظ والمعنى يمثلان موضوع القضيّة و « يدلّ الأول منهما على الثاني » هو محمول القضيّة وهو عينه الوضع كما هو واضح . فإذا كان الوضع هو الحكم على اللفظ والمعنى فهذا يقتضي ان يتصوّر الواضع اللفظ والمعنى في رتبة سابقة على جعل الحكم أي جعل الوضع ، وذلك لاستحالة جعل الاحكام قبل تقرّر موضوعاتها . وبهذا البيان اتّضح المراد من توقّف الوضع على تصوّر المعنى واللفظ ، وبعد ذلك نقول انّ تصوّر المعنى الذي يتوقّف عليه الوضع على نحوين : النحو الأول : ان نتصور المعنى - الذي نريد جعل اللفظ دالا عليه - بنفسه ، بحيث نستحضره في ذهننا كاملا ومن تمام حيثياته وبماله من سعة أو ضيق ، وذلك مثل ان نستحضر ونتصوّر معنى « زيد » بماله من مشخصات ثمّ نضع اللفظ بإزاء هذا المعنى المتشخّص والمحدد ، وكذلك مثل ان نتصور معنى « الإنسان » - بماله من حيثيات تميّزه عن سائر المعاني ، وبماله من سعة بحيث يقبل الصدق على أفراده - ثمّ نضع اللفظ بإزاء هذا المعنى المحدّد .