الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

97

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بحسب ذلك اللسان كاف فيه كما أن وضعه كذلك كاف في الانتساب إلى اللغة لو قلنا بكون واضع اللغات هو الله سبحانه لاتحاد الواضع إذن في الكل وإن اعتبر وقوع الوضع من واضع أهل اللغة فممنوع بل الظاهر الفساد لوضوح كون المنقولات العرفية العامة والخاصة مندرجة في العربية مع كون الوضع فيها من غيرهم على أنه لا يتم لو قلنا بأن واضع اللغات هو الله تعالى وقلنا بكون الوضع في الحقيقة الشرعية عنه تعالى قوله باعتبار الترديد بالقرائن أورد عليه بأن العلم بالترديد بالقرائن لو حصل للكل لم يقع خلاف وإلا لنقلنا الكلام إلى من يحصل له العلم فنقول إن علمه إما بالتواتر أو بالآحاد إلخ ويدفعه أن الترديد بالقرائن قد حصل بالنسبة إلى الحاضرين وهم قد نقلوا تلك الأخبار على حالها ليقف من بعدهم على الحال فإن لم يحصل هناك علم لبعضهم فلا مانع وكون طريق معرفته حينئذ منحصرا في التواتر والآحاد وعدم حصول الأول وعدم الاكتفاء بالثاني لا يقضي بعدم حصول التفهيم لهم ونقلهم ما يفيد ذلك فكيف يمكن تتميم الاحتجاج بمجرد ذلك كيف وقد جعلها الشارع حقائق الشرعية في تلك المعاني مجازات لغوية في المعنى اللغوي ولا يخفى أن الألفاظ المذكورة إنما تكون حينئذ مجازات في المعنى الشرعي لا في المعنى اللغوي ولو أريد به صيرورتها مجازات في معناها اللغوي بعد النقل فهو مما لا ربط له بالمقام مع أنها حينئذ تكون مجازات شرعية لا لغوية وقد يتكلف في توجيهه بأن المراد من قوله في المعنى اللغوي بالنسبة إلى المعنى اللغوي أي بملاحظة ما وضع لها في اللغة والمراد أن تلك الألفاظ صارت حقائق شرعية في المعاني الحادثة بالنسبة إلى العرف الشرعي مجازات لغوية فيها بالنسبة إلى اللغة ثم لا يذهب عليك أن الألفاظ المذكورة إذا استعملها الشارع حينئذ في المعاني الشرعية كانت حقائق شرعية وليست هذه بملاحظة مجازات أصلا وإن استعملها غيره في تلك المعاني من غير تبعية بل من جهة مناسبتها لمعناها اللغوي كانت مجازات لغوية ولم تكن حينئذ حقائق شرعية فإن أراد المصنف بذلك اجتماع تينك الصفتين في لفظ واحد في آن واحد بالاعتبارين كما هو الظاهر من العبارة المذكورة فذلك فاسد قطعا إذ لا يمكن اجتماع الأمرين كذلك كما هو ظاهر من حديها باعتبار الحيثية في كل منهما وإن أراد كونها مجازات لغوية لو استعملت فيها بمناسبة المعاني اللغوية من غير ملاحظة لوضعها في الشرع فهو غير مجد فيما هو بصدده فإن كونها مجازات لغوية من تلك الجهة يقضي بكونها عربية لو استعملت على تلك الجهة فمن أين ثبت كونها عربية لو استعملت فيها من جهة الوضع لها مع الفرق الظاهر بين الجهتين فإن الاستعمال في الأولى من جهة تبعية الواضع بخلاف الثانية وغاية ما يوجه به ذلك أن يقال إن مراده من ذلك بيان تقريب للحكم فإن تلك الألفاظ بالنظر إلى استعمالها في تلك المعاني إذا كانت عربية لم يخرجها الوضع الشرعي من ذلك لعدم تصرف الشارع حينئذ في اللفظ ولا في المعنى وهو كما ترى ومن الغريب ما قيل في توجيهه من أن تلك الألفاظ حال استعمالها في المعاني الشرعية حقائق شرعية فيها مجازات لغوية عند صدور استعمالها فيها من أهل اللغة فيكون المراد أن تلك الألفاظ حقائق شرعية بالفعل مجازات لغوية بالقوة وهذا القدر كاف في اتصافها بالوصف العربية إذ بعد صيرورة القوة فعلا يكون عربية لا محالة قلت فهي إذن غير عربية لكنها قابلة لأن تكون عربية لو استعملت على غير هذا النحو وأين ذلك من الحكم بكونها عربية بالفعل كما هو المفروض في كلام المجيب إلا أن يحمل ما ذكره على المجاز ويجعل ذلك علاقة للتجوز وهو مع ما فيه من التعسف لعدم ملائمته لسوق كلامه غير كاف في دفع الاستدلال قوله ومع التنزل نمنع إلى آخره لا يخفى أن هذا الكلام صدر من المجيب في مقام المنع لإبداء المناقشة فيما استند إليه المستدل وإن لم يكن موافقا للتحقيق فإن كون القرآن كله عربيا أمر واضح غني عن البيان وقد قال الله تعالى لقالوا لولا فصّلت آياته أأعجمي وعربيّ فالأولى مع التنزل أن يقال مع وجود غير العربي فيه لا يقضي بعدم كونه عربيا إذ المناط في صدق العربي والعجمي على النظم والأسلوب كما هو ظاهر كيف وقد ورد المعرب والرومي والأعلام العجمية وغيرها في القرآن وليست بأقرب إلى العربية من الحقائق الشرعية قوله والتحقيق أن يقال إلى آخره ما حققه في المقام إنما يتم إذا أفاد الظن بانتفاء الوضع تعيينا وتعيّنا وأما مع الشك في ذلك نظرا إلى شيوع الخلاف فيه من قديم الزمان وذهاب المعظم إلى الثبوت وقيام بعض الشواهد على النقل فإنه وإن فرض عدم إفادتها للظن في مقابلة الأصل فتنهض حجة على الإثبات إلا أنه لا أقل من الشك كما هو معلوم بالوجدان بعد الغض عن الأدلة المفيدة للظن وكأنه الظاهر من آخر كلامه حيث قال إنه لا يبقى لنا وثوق بالإفادة مطلقا فلا وجه للحكم بالنفي من جهة الأصل إذ ليست حجية الأصل في مباحث الألفاظ من باب التعبد وإنما هي من جهة إفادة الظن فمع عدم حصول الظن من جهته لا وجه للرجوع إليه والحكم بمقتضاه مع عدم حصول ظن بما هو مراد الشارع من تلك الألفاظ والحاصل أنه لا شك في حمل تلك الألفاظ على المعاني اللغوية بالنسبة إلى ما قبل الشرع وكذا في الحمل على المعاني الشرعية في عرف المتشرعة وقد حصل الشك في زمان الشارع في كون الحال فيه حال زمان المتشرعة أو حال ما قبل الشريعة فمع الشك لا وجه لتعيين أحد الوجهين وحمل الحديث على أحد المعنيين مع عدم انفهام أحدهما منه حينئذ وحصول الشك في فهم أهل ذلك العصر فلا بد إذن من التوقف أو الرجوع إلى الأصول الفقهية وقد مرت الإشارة إلى ذلك في المسائل المتقدمة فبناؤه على النفي والرجوع إلى الأصول الفقهية محتجا بما بينه رحمه الله ليس على ما ينبغي نعم إن قام هناك دليل على حجية الأصل المذكور في مباحث الألفاظ على سبيل التعبد اتجه ذلك لكنه ليس في الأدلة ما يشمل ذلك بل الحجة في باب الألفاظ هو الظن حسبما قرره والمفروض انتفاؤه في المقام فظهر بما قررناه إن احتجاج النافين بمجرد الأصل غير كاف في المقام بل لا بد بعد العجز عن إقامة الدليل على أحد الطرفين وحصول الشك في النقل وعدمه من التوقف في الحكم والحمل ثم إن هنا أدلة أخرى غير ما ذكره تدل على حصول الوضع فيها في زمان الشارع بل من أول الأمر منها أن المسألة لغوية متعلقة بالأوضاع ومن البين حجية النقل فيها وإن كان مبنيا على الاجتهاد وملاحظة العلامات كما هو الحال غالبا في إثبات اللغة وإنا إذا راجعنا كلمات أهل الخبرة في المقام وجدنا معظم العامة والخاصة قائلين بثبوتها حتى إنه لا يعرف فيه مخالف فيه من العامة سوى القاضي وبعض آخر ممن تبعه ولا من الخاصة سوى جماعة من متأخريهم بل الإجماع منقول عليه في الجملة من جماعة من متقدميهم حسبما مرت الإشارة إليه وعدم ظهور قائل بالفصل مع