الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

93

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

أو منهما يصح النسبة المذكورة على كل حال وأما إن قلنا باختصاص الشارع بمعناه اللغوي به تعالى وقلنا بكونه حقيقة عرفية في النبي صلى اللَّه عليه وآله لم يصح النسبة إلى أحد الوجهين إلا أن يلتزم بإرادة القدر الجامع بين الشارع مجازا أو يقال باستعماله في المعنيين بناء على جواز استعماله كذلك وهو أيضا على فرض جوازه بعيد جدا إلا أن يقال إن الحقيقة الشرعية إنما نسبت إلى الشرع دون الشارع واعتبر حينئذ في مسماه كون وضعه من الله تعالى أو النبي صلى اللَّه عليه وآله سواء خصّصنا الشارع بالله تعالى أو النبي صلى اللَّه عليه وآله أو عممناه لهما ثم إنه قد يصحح القول بإطلاق الشارع على النبي صلى اللَّه عليه وآله بالبناء على تفويض الأحكام إليه في الجملة للأخبار الكثيرة الدالة عليه المروية من طرق أهل العصمة عليهم السلام إلا أنه يشكل بأن عدة من تلك الأخبار دلت على التفويض إلى الأئمة عليهم السلام أيضا فيلزم صدق الشارع عليهم أيضا والظاهر أنه خلاف الاتفاق وأيضا إن قلنا بالتفويض فليس كل الأحكام منه صلى اللَّه عليه وآله بل جعلها من الله تعالى وقد ورد جملة منها في الكتاب العزيز فإن صح البناء على التفويض فليس كل الأحكام المنسوبة إليه إلا آحاد مخصوصة وصدق الشارع عليه بمجرد ذلك محل الإشكال إلا أن يقال يكون كل من الأحكام الشرعية شرعا فيكون صدقه على البعض كصدقه على الجملة كما هو الظاهر ولذا يعد اختراع بعض الأحكام تشريعا مضافا إلى أن القول بالتفويض مشكل جدّا بأنه صلى اللَّه عليه وآله كان ينتظر كثيرا ورود الوحي في الأحكام وقد نص الآية الشريفة على انتظاره لحكمه تعالى في مسألة القبلة ولو كان الأمر مفوضا إليه صلى اللَّه عليه وآله لما احتاج إلى ذلك وأيضا دلت الآية والأخبار على أنه صلى اللَّه عليه وآله ما كان يأتي بالأحكام من تلقاء نفسه وإنما كان ما يأتي به أمورا مأخوذة من الوحي وأيضا قد دلت الأخبار الكثيرة على أن في القرآن تبيان كل شيء وأنه قد أكمل الدين بحيث لم يبق شيء إلا وبين الله تعالى حكمه لرسوله وبينه الرسول لأمير المؤمنين إلى غير ذلك مما يقف المتتبع عليه وكل ذلك مناف للقول بالتفويض وقد يجمع بين ذلك وبين الأخبار الدالة على التفويض بوجه على أن الإيراد بالتفويض المذكور هو التفويض في تشريع الأحكام ولتفصيل الكلام فيه مقام آخر قوله فنقول لا نزاع في أن الألفاظ المتداولة إلى آخره هذا هو المقام الثاني من المقامات المذكورة وقد يشكل ما ذكره في بيان محل النزاع أن ظاهر القول بثبوت الحقيقة الشرعية هو القول بثبوته مطلقا كما هو ظاهر كلام المصنف رحمه الله وغيره ممن حرر النزاع في المسألة فعلى ما ذكره من كون النزاع في الألفاظ المتداولة في ألسنة المتشرعة الكائنة حقيقة عندهم في المعاني الشرعية يلزم أن يكون القائل بالثبوت قائلا بثبوت الحقيقة الشرعيّة في جميع تلك الألفاظ وهو بين الفساد إذ في الألفاظ المذكورة ما لا يعلم استعمال الشارع لها في المعاني الجديدة ومع ذلك فقد يعلم كون بعضها من المصطلحات الجديدة وقد يشك فيه وعلى فرض استعمال الشارع فيها على سبيل الندرة فقد يشك في بلوغها إلى حد الحقيقة عند قدماء الأصحاب من أرباب الكتب الفقهية فضلا من كونها حقيقة في عهد الشارع والقول بخلو جميع الألفاظ المتداولة عن جميع ذلك واضح الفساد والذي يقتضيه النظر في المقام أن هناك أمورا إذا حصلت كانت عليه مدار البحث في المقام والقائل بالثبوت إنما يثبتها مطلقا بالنسبة إلى تلك الألفاظ أحدها أن تكون الألفاظ متداولة في ألسنة المتشرعة من قديم الأيام أعني في مبدأ وقوع النزاع في الحقيقة الشرعية إذ من البين انتفاء التفاوت في موضع البحث عن ذلك الزمان إلى الآن ثانيها أن تكون مستعملة في المعاني الجديدة الشرعية بالغة إلى حد الحقيقة عند المتشرعة في ذلك الزمان ثالثها أن تكون تلك الألفاظ هي التي يعبر بها الشارع عن تلك المعاني غالبا ويستعملها فيها ويريد بها إفهامها وبالجملة إذا أراد التعدية عن تلك المعاني عبر عنها بتلك الألفاظ وإن عبر بغيرها مطلقا أيضا على سبيل الندرة فإذا تحققت هذه المذكورات كان موردا للنزاع فالمثبت لها يثبتها في جميع ما كان بالصفة المذكورة وهو معيار الثبوت عنده والمانع ينفيها كذلك وإذا انتفي أحد الأمور المذكورة فليس ذلك من محل البحث في شيء نعم قد يحصل الشك في اندراج بعض الألفاظ من المثبتين لها أيضا كما هو الحال في عدة في العنوان المذكور وعدمه ولأجل ذلك يقع الكلام في ثبوت الحقيقة الشرعية في بعض الألفاظ من المثبتين لها أيضا كما هو الحال في عدة من الألفاظ على ما يعرف من كتب الاستدلال ويمكن تطبيق ما ذكره المصنف على ما بيناه كما لا يخفى على المتأمل ثم لا يخفى عليك أن المعروف بين الأصوليين هو القول بالإثبات والنفي المطلقين ولا يعرف بينهم في ذلك قول ثالث ولذا اقتصر المصنف رحمه الله على ذكرهما وكذا غيره في سائر الكتب الأصولية من الخاصة والعامة والمعروف بين الفريقين هو القول بالإثبات إذ لم ينسب الخلاف فيه إلا إلى الباقلاني وشرذمة أخرى من العامة ولا يعرف من الأصحاب مخالف لذلك ولا نسب إلى أحد منهم ذلك بل حكى جماعة من متقدميهم الإجماع على ثبوت الحقيقة الشرعية في غير واحد من الألفاظ منهم السيد والشيخ والحلي وفي ذلك بضميمة ما ذكرناه شهادة على إطباقهم على الثبوت وكيف كان فقد ظهر بين المتأخرين من أصحابنا القول بالنفي وممن ذهب إليه المصنف ومال إليه جماعة من متأخري متأخريهم ثم إنه قد أحدث جماعة منهم القول بالتفصيل حيث لم يروا وجها لإنكارها بالمرة ولم يتيسر لهم إقامة الدليل على ثبوت المطلق ولهم في ذلك تفاصيل عديدة منها التفصيل بين العبادات والمعاملات فقيل ثبوتها في الأولى دون الثانية ومنها التفصيل بين الألفاظ الكثيرة الدوران كالصلاة والزكاة والصوم والوضوء والغسل ونحوها وما ليس بتلك المثابة من الدوران فالتزم بثبوتها في الأولى دون الثانية ومنها التفصيل بين عصر النبي صلى اللَّه عليه وآله وبين عصر الصادقين عليهما السلام وما بعده فقيل بنفيها في الأولى إلى زمان الصّادقين عليه السلام وبثبوتها في عصرهما وما بعده وهذه تفصيل في الحقيقة المتشرعة وبيان مبدأ في ثبوتها ومنها التفصيل بين الألفاظ والأزمان فقيل بثبوتها في الألفاظ لكثيرة الدّوران في عصر النبي صلى اللَّه عليه وآله وفيما عداها في عصر الصادقين عليهما السلام ومن بعدهما وهو في الحقيقة راجع إلى التفصيل الثاني في المسألة حسبما عرفت ومنها التفصيل أيضا بين الألفاظ والأزمان فقال إن الألفاظ المتداولة على ألسنة المتشرعة مختلفة في القطع بكل من استعمالها ونقلها إلى المعاني الجديدة بحسب اختلاف الألفاظ والأزمنة اختلافا بينا فإن منها ما يقطع بحصول الأمرين فيها في زمان النبي صلى اللَّه عليه وآله ومنها ما يقطع باستعمال النبي صلى اللَّه عليه وآله إياه في المعنى الشرعي ولا يعلم صيرورته حقيقة إلا في زمان انتشار الشرع وظهور الفقهاء والمتكلمين ومنها ما لا يقطع فيها باستعمال الشارع فضلا عن نقله ومنها ما يقطع فيه بتجدد النقل والاستعمال