الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

91

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وأيضا استعمال الأعلام في مسمياتها حقيقة من أي مستعمل كان والعرفية الخاصة إنما يكون حقيقة لو كان المستعمل لها من أهل ذلك الاصطلاح فيمكن المناقشة فيه أولا بمنع الحصر وكما أن ظاهرهم حصر العرفية في العامة والخاصة فكذا ظاهرهم حصر الحقيقة في اللغوية والعرفية فأي داع بثبوت القول بالواسطة بين الأخيرتين دون الأوليين وثانيا بالتزام إدراجها في العرفية الخاصة واعتبار كون الوضع فيها من قوم أو فريق غير ثابت بل الظاهر خلافه كما هو قضية العرفية وورود مثل ذلك في كلامهم يبنى على الغالب والقول بأن الحقيقة العرفية الخاصة إنما تكون حقيقة إذا كان المستعمل من أهل الاصطلاح محل منع بل الظاهر أنه إذا استعمل في كلام أهل ذلك الاصطلاح وكل من تابعهم في ملاحظة ذلك الوضع كان حقيقة كما هو الشأن في جميع الحقائق من غير فرق نعم هناك فرق بين وضع الأعلام الشخصية وغيرها من الحقائق العرفية نظرا إلى وقوع الوضع فيها بحسب صناعة مخصوصة أو اصطلاح أقوام مخصوصين أو عدم اعتبار ذلك في وضع الأعلام ولذا لا يختلف الحال فيها باختلاف الصّناعات والاصطلاحات بل اللغات أيضا لعدم اختصاص الوضع فيها بشيء من ذلك ولا ينافي ذلك كونها عرفية خاصة نظرا إلى صدور الوضع فيها من الخاص وتبعية غيره فيه فتأمل نعم ملاحظة ظاهر إطلاقاتهم يعطي خروج ذلك عن العرفية وعدم اندراجها في اللغوية ظاهر فتكون واسطة بين الأمرين وكأنه لعدم تعلق غرض بها لم يعتنوا بشأنها ولم يجعلوها قسما برأسه وحينئذ ينبغي زيادة قيد آخر في حد العرفية هذه ليخرج ذلك عنها وربما يجعل ذلك مندرجا في العرفية مغايرا لأقسامها المعروفة ولا يخلو عن بعد وقد يقال بخروجها عن الحقيقة والمجاز وتجعل واسطة بينهما كما قد يعزى إلى الرازي والآمدي وهو ضعيف جدا لعدم انطباقه على شيء من حدود الحقيقة والمجاز الواردة في كلمات علماء الأصول والبيان وربما يؤول ما عزي إليهما بما يوافق المسألة ثم إن الحقيقة العرفية إما عامة أو خاصّة والمناط في عموميتها عدم استناد الوضع فيها إلى عرف شخص مخصوص أو فرقة معينة وعدم كون وضعها في صناعة مخصوصة وحرفة معينة مثلا فخصوصيتها إما أن يكون لكون وضعها إلى عرف شخص معين أو فرقة معينة أو لكونها في صناعة مخصوصة ونحوها وإن لم يكن الوضع فيها مستندا إلى خاص كما لو قلنا باستناد الوضع في الألفاظ الشرعية إلى عامة استعمالات أهل الشريعة الشامل لكافة العرب بعد شيوع الإسلام فإنه لا يجعلها عرفية عامة فما يظهر من غير واحد من الأفاضل من اعتبار العمومية والخصوصية بملاحظة من يستند إليه الوضع خاصة ليس على ما ينبغي ثم إن الحقيقة الشرعية مندرجة في العرفية الخاصة إلا أنهم للاعتداد بشأنها جعلوها قسما برأسه وحينئذ ينبغي زيادة قيد آخر في تعريف العرفية ليخرج عنه الشرعية وحينئذ فبين الأقسام المذكورة تباين كلي كما هو قضية تقسيم الحقيقة إليها على ما هو المعروف وقد يطلق الحقيقة العرفية على اللفظ المستعمل فيما هو حقيقة فيه في العرف سواء كان بوضع أهل اللغة أو غيرهم كما يقال إن الأصل اتحاد الحقيقة العرفية واللغوية حتى يثبت التعدد وكأنه توسع في الاستعمال أو أنه اصطلاح آخر وكان الأول هو الأظهر وبين العرفية بهذا المعنى واللغوية عموم من وجه كما هو الحال بينها وبين العرفية بالمعنى المتقدم وهو ظاهر ثم إن نفيه الريب من وجود الحقيقتين وذكره الخلاف في خصوص الشرعية يومي إلى انتفاء الخلاف بالنسبة إلى الأولين وهو كذلك إلا أن هناك خلافا ضعيفا في خصوص العرفية العامة وربما يعزى إلى شذوذ من العامة وإخبارية الخاصة المنع منها وهو بين الفساد وكأنه مبني على الشبهة المعروفة في عدم تحقق الإجماع ثم العلم به بعد ذلك فيقال بامتناع اجتماع الكل على النقل ثم امتناع العلم به وهو موهون جدا ومع الغض عن ذلك فأقصى ما يلزم منه امتناع حصول النقل بالنسبة إلى آحاد أهل اللسان من غير ملاحظة لحال جميع الآحاد كما هو الظاهر المتشتتين في البراري والبلدان وأما لو اعتبر في المقام حصول النقل بالنسبة إلى معظم أهل اللسان من غير ملاحظة لحال جميع الآحاد كما هو الظاهر فلا ويدل على ثبوت الحقيقتين المذكورتين بعد الاتفاق عليه ما يشاهد من الألفاظ المعلوم وضعها بحسب اللغة لمعانيها المعروفة بالتسامع والتظافر بحيث لا مجال فيها للريب وكذا ما يشاهد من الموضوعات العرفية العامة والخاصة وما قد يناقش في العلم بثبوت الحقيقة اللغوية من أن القدر المعلوم هو وضع تلك الألفاظ لمعانيها المعروفة وأما كون ذلك عن واضع اللغة فغير معلوم إذ ربما كانت كلها منقولات عن معاني أخر قديمة مما يقطع بفساده وعلى فرض تسليمه فثبوت تلك المعاني المهجورة القديمة كاف في ثبوت المطلوب لما عرفت من كون الحقيقة اللغوية أعم من المهجورة والباقية والقول بأن القدر اللازم ثبوت وضعها لمعانيها بحسب اللغة وهو لا يستلزم الاستعمال مدفوع بأن عمدة ثمرات الوضع تعين الاستعمالات فسقوط الثمرة المهمة بالنسبة إلى الكل وحصول النقل في الجميع قبل استعمالها مما يقضي العادة بامتناعه ولو سلم حصول نقل كذلك فإنما هو بالنسبة إلى شذوذ من الألفاظ كما لا يخفى قوله وأما الشرعية فقد اختلفوا إلى آخره الكلام في الحقيقة الشرعية يقع في مقامات أحدها في تعريفها وبيان مفهومها الثاني في بيان محل النزاع فيها الثالث في بيان الأقوال فيها الرابع في بيان ثمرة الخلاف الخامس في بيان ما يحتج به على إثباتها أو نفيها والمصنف رحمه الله قد أعرض عن الأول اكتفاء بشيوعه كما ذكرنا أو اكتفي عنه بذكر المنقول الشرعي حيث إن معظم من الحقائق الشرعية أو جميعها على القول بها من المنقولات الشرعية وإن كان مفهومها أعم لشمولها للمرتجل وغيره كما نصّوا عليه وكيف كان فقد عرفوها بأنها اللفظ المستعمل في وضع أولي شرعي والمراد بالوضع الأول هو الوضع الذي لا تعتبر في تحققه ملاحظة وضع آخر والمقصود بذكره إخراج المجاز حيث إن الوضع الترخيصي الحاصل فيه مما يعتبر فيه وضع الحقيقة وقد يورد عليه وضع المنقولات الشرعية فإنه قد اعتبر فيها ملاحظة وضع المنقول منه فيخرج عن الحد معظم الحقائق الشرعية ويمكن دفعه بأنه إنما يعتبر ذلك في تحقق النقل لا في أصل الوضع أو يقال إن الملحوظ فيه إنما هو المعنى المنقول منه لا خصوص الوضع بإزائه وهذا كما ترى وقد