الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

89

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وعدم كون الموضوع له هو المفهوم الأعم من الماضي والحال فإن قلت لا شبهة في صحة إطلاق القاتل والضارب والتأخير ونحوها حقيقة على من تلبس بتلك المبادي ولو بعد زوالها كما يشهد به ملاحظة الاستعمالات العرفية ولذا لا يصح سلبها عنه مع الإطلاق كما مر فكيف الجمع بين الأمرين قلت يمكن تصحيح كون الإطلاقات المذكورة على سبيل الحقيقة بملاحظة جعل الوصف المفروض عنوانا لتلك الذات من حيث اتحادها معه حين اتصافها به وثبوت ذلك المفهوم لها فتلك الذات لما كانت أمرا واحدا في الحالين لا يعتبر فيها باعتبار ثبوت ذلك الوصف وعدم صحة الإشارة إليها بذلك العنوان بملاحظة حال اندراجها فيه وإن لم تكن مندرجة فيه حال الإطلاق فقد جعل ذلك الوصف من جهة صدقه على تلك الذات حال تلبسها به عنوانا لها وإن ارتفع صدقه عليها بعد ذلك نظرا إلى اتحاد الذات في الحالين فاللفظ حينئذ مستعمل فيما وضع له أعني نفس ذلك المفهوم وجعل ذلك المفهوم عنوانا لتلك الذات مطلقا فإطلاق ذلك المفهوم على تلك الذات إنما هو باعتبار حال اتحادها معه إلا أنه لم يلحظ تلك الذات بشرط الاتحاد المذكور بل جعل ذلك عنوانا معرفا لها في نفسها فيصح الحكم عليها مع ملاحظة حال الاتصاف وبعدها فإطلاق القاتل على زيد إنما هو باعتبار حال اتصافه بالقتل حين صدوره منه إلا أن ذلك جعل عنوانا معرفا له ولو بعد انقضاء الاتصاف وقد يجري الاعتبار المذكور في الجوامد أيضا كما إذا قلت أكرم زوجة زيد وأردت بذلك العنوان بيان الذات الواقعة مصداقا له من غير أن يكون المقصود صدق العنوان عليه حال الإطلاق بل المراد تعيين تلك الذات بالوجه المذكور بملاحظة حال اتحادها به وصدقه عليها سواء بقي الصدق أولا ولذا يثبت الحكم حينئذ بعد زوال الصدق أيضا ويصح الحكم عليها ولو كانت حال الإطلاق خارجة عن ذلك العنوان من غير أن يكون هناك تجوز في استعماله على الفحص المذكور نعم لا بد هناك من قيام قرينة على كون المقصود ذلك حيث إنه مخالف لظاهر متفاهم العرف والناس حال الإطلاق فإن قلت إن إطلاق الكلي على الفرد ينزل منزلة حمل ذلك الكلي على الفرد المفروض حملا شائعا ولا وجه لصحة الحمل في المقام بعد انقضاء الاتصاف لانتفاء الاتحاد الذي هو المناط في صحة الحمل قلت إن إطلاقه على المفروض إنما هو بملاحظة حال اتحاده معه إلا أنه جعل ذلك عنوانا لمعرفة تلك الذات دالة لملاحظتها في نفسها والحكم عليها من غير اعتبار للوصف العنواني في إطلاقه وقد تقرر عدم لزوم اعتبار ذلك في صحة الحمل فكما أنه لا يعتبر الوصف العنواني في صحة الحمل فقد لا يعتبر في صحة عقد الوضع بجعل العنوان آلة لملاحظة الذات المأخوذة في جانب الموضوع ولذا صح تقييد العام باللادوام من دون لزوم تجوز في اللفظ ومجرد اتحاد المفروض كاف في صحة الإطلاق المذكور وجعل ذلك العنوان آلة لملاحظة تلك الذات في نفسها وإن ارتفع الاتحاد حين الإطلاق إذ لا منافاة بين ارتفاع الاتحاد حال الإطلاق وملاحظة حال حصوله في إطلاق اللفظ أو حيث كان المعتبر في جانب الموضوع هو الذات وعند وقوع المشتق موضوعا للحكم إنما يراد به الإشارة إلى الذات التي وقعت مصداقا له كان المفهوم المذكور ملحوظا من حيث كونه عنوانا للذات ومرآتا لملاحظة فلا يكثر فيه الملاحظة المذكورة حتى إنه قيل باتفاقهم على كونه حقيقة في الأعم عند وقوعه موضوعا كما مر والوجه فيه في الحقيقة هو ما بيناه لا كونه إذن موضوعا للأعم كما هو ظاهر الكلام المذكور إذ لا وجه لالتزام وضع خاص للفظ حال وقوعه موضوعا دون سائر الأحوال وهو وإن جاز عقلا إلا أنه عديم النظير في الأوضاع اللفظية فإن قلت على هذا لا فرق بين إطلاقه على الذات المفروضة بعد اتحادها مع المفهوم المذكور أو قبله إذ كما يصح جعل الاتحاد المفروض حال حصوله مصححا لإطلاق اللفظ وجعل ذلك المفهوم آلة لملاحظتها في نفسها من غير لزوم تجوز فيما إذا حصل الاتصاف في الماضي فليصح ذلك بالنسبة إلى المستقبل أيضا قلت الحال على ما ذكرت إلا أنه لما كان الاتحاد المفروض حاصلا في الأول صح جعله عنوانا لمعرفة تلك الذات معرفا لها نظرا إلى حصول الاندراج بخلاف الثاني إذ مع عدم حصول اندراج والاتصاف يبعد الاعتبار المذكور بحسب ملاحظة حال العرف ولذا لم يجر عليه الاستعمالات العرفية إلا أنه لا تجوز فيما لو اعتبر ذلك وقام عليه القرينة كما هو الحال في الخاصتين بجعل الوصف هناك عنوانا للذات مصححا للحكم عليه ولو مع زوال الاتصاف وعدم حصوله فإن مضمون اللادوام سلب الحكم عن الموضوع حال عدم اتصافه بالوصف المأخوذ في العنوان وهو يعم الوجهين ودعوى التجوز في الاستعمال المفروض مما لا وجه له بعد ما عرفت غاية الأمر عدم انصراف اللفظ إليه عرفا مع الإطلاق لما عرفت من مخالفته لظاهر الملاحظات العرفية وهي لا يقضي بالمجازية بعد ثبوت استعمال اللفظ في معناه الموضوع له حسبما قررناه وإن كان اعتبارها كذلك خارجا عن الملحوظ في أنظار العرف فإن قلت على هذا ينبغي صحة الإطلاق المذكور بالنسبة إلى سائر المشتقات مع أنا نرى الفرق بينها فإن ما كان مباديها من قبيل الأفعال الصادرة كالقتل والضرب والإكرام ونحوها نجد صحة استعمالها في الغالب مع زوال المبدإ أيضا ولذا يقال هذا قاتل زيد أو ضاربه أو مكرمه وإن لم يكن في حال صدور تلك الأفعال منه وأما ما كان من قبيل الصفات كالصغير والشاب وو الأحمر والأصفر ونحوها فالغالب عدم استعمالها كذلك ولذا لا يطلق شيء من تلك الألفاظ بعد زوال الاتصاف سيما مع طريان الضد الوجودي كما في تلك الأمثلة قلت لا يخفى أن ظاهر إطلاق اللفظ بملاحظة معناه الموضوع له على مصداق من المصاديق تحقق ذلك المعنى في ذلك المصداق بالفعل واندراجه تحته بحسب الحال الذي لوحظ إطلاق اللفظ بحسبه وإن لم يكن حال النطق فإطلاقه عليه باعتبار تحققه في زمان سابق وجعل ذلك عنوانا لملاحظة تلك الذات المندرجة تحته ولو بعد زوال الاتصاف خروج عن مقتضى ظاهر اللفظ إلا أنه لما قام الدواعي على ملاحظة ذلك في جملة من المشتقات كان ذلك باعثا على جريان الإطلاقات عليها كما في الأمثلة المتقدمة فإنه لما كان اتصاف الذات بذلك المبدإ في آن من الأوان وكانت الأغراض متعلقة بحسب العادة بتعريف تلك الذوات وبيانها وبالجهة المذكورة جروا في التعبيرات على النحو المذكور وشاع فيها الملاحظة المذكورة في الإطلاقات العرفية بحيث صار الاعتبار المذكور هو الظاهر في كثير منها بخلاف الصفات اللازمة فإن تعريف الذات وبيانها غالبا إنما تكون بتلك الصفات