الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
87
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
لو أخذ الحال قيدا للحكم وما يتراءى من صحة السلب مع التقييد وإنما هو مبني على انصراف التقييد إلى كونه قيدا في المحمول وفيه تأمّل سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى ثالثها أنها لو كانت موضوعة للأعم لصح إطلاق القاعد على القائم والقائم على القاعد والنائم على المستيقظ والمستيقظ على النائم ونحوها ومن الواضح فساده وكذا يلزم صحة إطلاق الكافر على المؤمن والمؤمن على الكافر وليس كذلك وإلا لكان جملة من أكابر الصحابة كفارا على الحقيقة والمرتد عن الدين مؤمنا على الحقيقة وليس كذلك إجماعا وأجيب أولا بالتزام المنع والتخصيص في محل النزاع لطريان المقيد الوجودي في المقام ومحل النزاع ما إذا لم يطرأ ذلك وكون المبدإ ثبوتا في بعضها ومحل النزاع ما إذا كان حدوثيا وقد عرفت ما فيه وثانيا أن ذلك معارض بأنه لو كان موضوعا للحال لما صح إطلاق القائل والضارب والجارح والبائع والمشتري ونحوها على من انقضى عنه المبدأ إلا على سبيل المجاز مع أن ملاحظة الاستعمالات يشهد بخلافه والوجه في التفصيل بين ما يمكن حصوله في الحال وما لا يمكن فيه ذلك هو الأخذ بأدلة القائل باشتراط التلبس في الحال إلا أن ذلك إنما يتم فيما يمكن فيه ذلك دون غيره إذ لا يعقل اشتراط التلبس في الحال فيما لا يمكن حصوله فيها كالمخبر والمتكلم ونحوها فلا يمكن القول بوضعه لخصوص المتلبس في الحال إذ لا وجه لوضع اللفظ للمعنى على وجه لا يمكن إرادته في الاستعمالات ولأنه يلزم أن يكون استعمالاته كلها مجازات لا حقيقة لها وذلك وإن لم يكن متعذرا إلا أنه لا أقل من كونه مستبعدا مخالفا للظاهر وهو كاف في المقام لابتناء ثبوت الأوضاع على الظن ويدفعه ما عرفت في رد أدلة القائلين باعتبار الحال وأن المعتبر في صدق وجود المبدإ في الحال على القول باشتراط كونه على النحو الصادق في العرف دون التدقيقات العقلية إلى آخر ما مر حجة التفصيل الذي اختاره بعض المتأخرين أنهم يطلقون المشتقات مع حصول الاتصاف على النحو المذكور من دون نصب قرينة كالكاتب والخياط والقاري والمعلم والمتعلم ونحوها ولو كان المحل متصفا بالضد الوجودي كالنوم ونحوه قال والقول بأن الألفاظ المذكورة كلها موضوعات لملكات هذه الأفعال مما يأبى عنه الطبع السليم في أكثر الأمثلة وغير موافق لمعنى مباديها على ما في كتب اللغة وفيه أولا أن صدق المشتقات المذكورة ليس مبنيا على أكثرية الاتصاف بالمبدأ إذ ليس هناك أغلبية في الغالب غاية الأمر حصول الاتصاف في زمان يعتد به وإن كان مغلوبا بالنسبة إلى أزمنة عدم الاتصاف بل قد يكون زمان عدم الاتصاف به أضعاف زمان الاتصاف كما في المعلم والمتعلم والقاري ونحوها فلا يطابق ما عنون به الدعوى وثانيا أنه منقوض بالنائم والمستيقظ والساكن والمتحرك والحاضر والمسافر فإنه لا يصدق شيء من تلك المشتقات مع زوال المبدإ مع عدم إعراض الذات عنها وعدم قصور من الاتصاف بها عما فرض في المبادي المذكورة بل ومع أغلبية اتصافها بها وثالثا أن ما ذكر على فرض صحته إنما يثبت كونه حقيقة في الصورة المذكورة وأما عدم صدقه على سبيل الحقيقة في غيرها فلا دلالة في ذلك عليه مضافا إلى ما يرى من صدقها حقيقة بحسب العرف كالقاتل والضارب والبائع والمشتري ونحوها لوجود أمارات الحقيقة في تلك الأمثلة مع عدم اتصاف الذات بمباديها إلا في زمان يسير ولو مع إعراضها عن ذلك فإنك تقول فلان قاتل عمرو بعد اتصافه بقتله مع عدم إمكان عوده إليه وكذا يصدق عليه أنه جارحه أو ضاربه ولو مع ندامته عن ذلك وعزمه على عدم العود إليه وتقول فلان بائع الدار أو مشتريه ولو ندم عن ذلك وعزم على عدم إقدامه عليه فظهر أن جعل المناط في صدق المشتق وعدمه ما ذكر مما لا وجه له أصلا واعتبار الإعراض عن المبدإ وعدمه مما لا مدخل له في صدقها نعم إنما يلاحظ ذلك في الصنائع والملكات كالبقّال والبنّاء والعطار والخياط ونحوها لقضاء الإعراض برفع المبدإ عن الصفة فلا يقال المبدأ معه والمبادي المأخوذة في الأمثلة المفروضة يطلق على الصنعة والملكة قطعا بل لا يبعد كونها حقيقة في ذلك عرفا كما يظهر ذلك من ملاحظة الاستعمالات الدائرة خصوصا بالنسبة إلى الخياط فإن الشائع إطلاقه على صاحب الصنعة المعروفة والوجه في التفصيل اختلاف الحال في المشتقات بعد الرجوع إلى العرف وعدم جريانها على نحو واحد في الاستعمالات ولم يثبت هناك أصل كلي يعم جميعها ولا وضع نوعي يجري عليه فيها فينبغي الرجوع في كل منها إلى ما هو المتبادر منه في العرف ودل عليه أمارات الحقيقة والمجاز نعم لا يبعد البناء على أصالة الحمل على الحال في الصفات المشبهة وأفعل التفضيل لغلبتهما في ذلك بل لا يعرف فيهما مثال أريد به غير ذلك وأصالة الحمل على الأعم في اسم مفعول لغلبته في ذلك مع احتمال خروج الثلاثة عن محل البحث حسبما مر نقله عن الفاضل المذكور وأنت خبير بأن إرجاع الأمر إلى خصوصيات الألفاظ والبناء على الرجوع إلى المتبادر من كل لفظ من غير أن يكون هناك معنى ملحوظا في وضع الجميع ينافي كون الوضع نوعيا في المشتقات كما هو المعروف بل الثابت من تتبع أقوالهم وملاحظة المشتقات الدائرة في المحاورات الجارية وأنا إلى الآن لم يحضرني قائل بكون الوضع في المشتقات شخصيا فالبناء على ذلك في نهاية البعد وكان الوقف في موضوعها الأولى والبناء على النقل فيما يتبادر منه خلاف وذلك أولى من التزام شخصية أوضاعها كما لا يخفى هذا والذي يتصور في بادي النظر أن يقال بالتفصيل بين المشتقات المأخوذة على سبيل التعدية ولو بواسطة الحرف والمأخوذة على سبيل اللزوم فالأولى مأخوذة للأعم من الماضي والحال والثانية موضوعة لخصوص الحال فيكون هناك وضعان نوعيان متعلقين بالمشتقات باعتبار نوعيها ولو مع اتحاد الصّيغة فاعتبر في أحدهما حصول الاتصاف في الجملة سواء كان حاصلا في الحال أو لا وفي الآخر تحققه بالفعل على النحو المذكور يشهد بذلك استقراء الحال في المشتقات فإن كان من قبيل الأول يكون المتبادر منه هو المعنى الأعم فيصدق أساميها بحسب العرف مع حصول الاتصاف في الحال وعدمه كالقائل والضارب والبائع والمشتري والمضروب والمنصور والمكتوب والمنقوش وغيرها من الأمثلة مما أخذ متعديا سواء كان من أسماء الفاعلين أو المفعولين وما كان من قبيل الثاني فالمتبادر منه هو الاتصاف في الحال كالقائم والقاعد والجالس والمضطجع والمستلقي والنائم والمستيقظ والأحمر والأصفر والحسن والقبيح والأفضل والأحسن إلى غير ذلك وحيث كان الصفات المشبهة وأسماء التفضيل مأخوذة