الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
75
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الخارج ليكون حكاية عن الأعم من الوجود في الذهن أو في الخارج بل من حيث كونه حكاية وعنوانا للأمر الخارج فالمفاهيم التي من شأنها الاتصاف بالوجود الخارجي على فرض وجودها كالمذكورات ونحوها إنما وضعت الألفاظ بإزائها بملاحظة كونها خارجية وإذا لم توجد في الخارج أصلا كالعنقاء بل ولو كانت ممتنعة في الخارج كشريك الباري فإنه إنما يراد به الأمر الخارج المشترك للباري في صفات الكمال وأما ما لم يكن من شأنها الاتصاف بالوجود الخارجي كالكلية والجنسية والفصلية ونحوها فهي أيضا قد وضعت لها الألفاظ من حيث كونها عنوانا للأفراد الموجودة بوجود الأفراد اللائق بحالها وإن كان حصولها في الذهن والحاصل أن الكلية ليست موضوعة لمفهوم جواز الصدق على كثيرين بملاحظة نفسه ليصدق على ذلك بملاحظة كونه متصورا عند العقل بل من حيث كونه عنوانا لملاحظة تلك الحيثية الحاصلة في المفاهيم الكلية من الإنسان والحيوان وغيرهما وإن كان حصول تلك الحيثية في الذهن خاصة وأما ما كانت من شأنها أن يكون في الخارج أو في الذهن معا فهي موضوعة بإزائها بكل من الاعتبارين كالزوجة فإنها موضوعة بإزاء المفهوم المذكور من حيث كونه عنوانا للأفراد الذهنية أو الخارجية فالمفاهيم إنما وضعت لها الألفاظ بملاحظة تحصلها في ظرفها اللائق بحالها من الذهن أو الخارج من غير أن يكون ذلك التحصّل جزء من الموضوع له ولا قيدا فيه بل قد وضع الألفاظ بإزائها بتلك الحيثية ومن تلك الجهة سواء كانت تلك الحيثية حاصلة لها في الواقع أو لا وذلك مما لا إشكال فيه بالنسبة إلى ما يكون له وجود كذلك أما في الذهن أو الخارج أو ما يصح تقدير وجوده كذلك كما في العنقاء وشريك الباري وأما ما لا يكون له وجود في نفسه مع قطع النظر عن تصوره ولا يصح أن يفرض له مصاديق خارجية أو ذهنية يصدق عليها على حسب التقدير كاللاشيء واللاموجود ونحوهما فقد يشكل الحال فيها إذ ليس لتلك المفاهيم تحقق في ذاتها من حيث كونها مدلولا لتلك الألفاظ ومقصودا إفهامها بها ولو على سبيل التقدير وليس حصولها في الذهن هو وجودها اللائق بحالها وليست تلك الألفاظ موضوعة بإزائها من تلك الحيثية قلت لا شك أن الوجود الخارجي أو الذهني غير ملحوظ فيما وضع له لفظ العدم والنفي وأمثالهما بل الملحوظ فيه هو مفهوم العدم المحض وبطلان الذات وليس مفهوم العدم من حيث كونه حاصلا في العقل قد وقع له لفظ العدم بل من حيث كونه أمرا باطل الذات لا تحقق له في الخارج والكون أصلا فحيثيته هي حيثية البطلان فذلك المفهوم من حيث كونه عنوانا لتلك الحيثية قد وضع اللفظ له فحيثية حقيقة العدم هي حيثية البطلان والليس المحض وهي بتلك الحيثية مراد بتلك اللفظة فالحال فيما وضع تلك الألفاظ بإزائه على سائر المفاهيم غاية الأمر أن حيثية الحقيقة في سائر المفاهيم متحصّلة ولو تقديرا بخلاف هذه فإنها حيثية العدم وبطلان الذات فإن قلت إذا كانت تلك الحيثية فيها هي حيثية العدم الصرف والليس المحض فكيف يمكن ارتباط أمر وجودي به بأن يتعلق به الوضع قلت لا مانع من ذلك فإن المفهوم المذكور مما يمكن أن يتصوره العقل ويتعقله وهو بهذا الاعتبار يمكن أن يتعلق الوضع به وإن كانت حيثية كونها موضوعا له هي حيثية أخرى يظهر ذلك بملاحظة ما قرره في الجواب عن شبهة الحكم عن المعدوم المطلق بعد إمكان الحكم عليه فصار المتحصل أن تلك المفاهيم إنما تكون متعلقة للأوضاع من حيث كونها عنوانات لحقائقها في نفس الأمر من غير فرق بين أن يكون حقائقها قابلة للوجود الخارجي أو الذهني أو كليهما معا أو غير قابلة لشيء منهما سواء كانت ممكنة الاتصاف به أو ممتنعة ولا بين أن يكون حقيقتها حيثية الوجود والتحقق كما في مفهوم الوجود أو حيثية العدم والبطلان كما في مفهوم العدم فتلك المفاهيم من حيث كونها عنوانات لمصاديقها قد وضع اللفظ بإزائها من غير فرق بين الصور المذكورة أصلا ويدل على ذلك وجوه أحدها أن المتبادر من الألفاظ عند التجرد عن القرائن هو ذلك إذ لا ينساق منها إلى الذهن إلا نفس المفاهيم على النحو المذكور مع قطع النظر عن وجودها في الذهن أو الخارج ولا أخذها بحيث يشتمل تصوراتها الذهنية بل إنما ينصرف إلى تلك المفاهيم من حيث كونها عناوين لمصاديقها فليس حصول تلك المفاهيم في الذهن إلا من جهة كونه آلة لملاحظة ما عين اللفظ بإزائه ومرآتا لمعرفته فهي من حيث حصولها عند العقل مرآتا لملاحظتها في نفسها من حيث كونها عنوانا لمصاديقها وهي بالحيثية الثانية قد وضع اللفظ لها إلا أن حصولها في الذهن إنما يكون على الوجه الأول ثانيها أنا نجد مفاد الألفاظ والمفهوم منها في العرف قابلا للحكم عليه بالوجود الذهني أو الخارجي على حسب اختلاف المفاهيم في قبول وجود الغير بتحقق الحصول بالوجود اللائق به ولهذا يصح حمل المعدوم عليها من غير تناقض ولا لزوم تجوز ولو كان الوجود مأخوذا فيه شرطا أو شطرا لما صح ذلك فإذا انضم إلى ذلك صحة سلب المعنى المفهوم من تلك الأسامي بحسب العرف من صورها الذهنية وتصوراتها الحاصلة عند العقل كما هو واضح بعد ملاحظة العرف ولو بالنسبة إلى الأمور الذهنية فإن تصور العقل لها غير حصولها في العقل دل ذلك على عدم وضعها للصور الذهنية ولا للمفاهيم على النحو الأعم بحيث يشمل تلك الصور أيضا وحيث عرفت أن الحقائق التي يراد الانتقال إليها من تلك الألفاظ قد يكون أمورا خارجية وقد يكون غيرها فلا وجه للقول بملاحظة خصوص الوجود الخارجي في وضعها فتعين القول بوضعها للمفاهيم على النحو الذي ذكرنا فإن قلت كما أنه يصح ما ذكر مع كون الألفاظ موضوعة بإزاء المفاهيم على الوجه المذكور كذا يصح لو قيل بكونها موضوعة لنفس الصور من حيث كونها مرآتا لملاحظة ما تعلقت بها وحينئذ فليس الملحوظ بالدلالة إلا الأمور الخارجية بالمعنى المذكور من غير أن يكون الصورة ملحوظة أصلا إذ ذلك قضية كونها مرآتا فإن قلت المرآة غير منظور إليها أصلا في لحاظ كونها مرآتا فغاية ما يستفاد من الوجه المذكور عدم كون الصور الذهنية موضوعا لها من حيث ذواتها إلا من حيث كونها مرآتا لملاحظة غيرها قلت هذا الاحتمال وإن صح قيامه في المقام في بادي الرأي إلا أنه فاسد بعد التأمل في العرف لصحة السلب عنها ولو بملاحظة كونها مرآتا ألا ترى أنه يصح أن يقال في العرف أن الصور الحاصلة من التمر في الذهن ليس تمرا وإن أخذت مرآتا لملاحظة الحقيقة الخارجية من غير أن يكون ذات الصورة ملحوظة أصلا وبالجملة أنه يصح سلب التمر مثلا عن الصّورة الذهنية مطلقا سواء أخذت ملحوظة بنفسها أو مرآتا لملاحظة غيرها ثالثها أن المعاني التي تحتاج إلى التعبير عنها