الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
6
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
على ثبوته منه بمنزلة سماع ذلك منه ولا ريب أن قوله عند السامع منه حجة فقهية ويمكن أن يقال إن المعلوم بالضرورة في ضروريات الدين هو نفس الحكم المقرر في الشريعة لا قوله صلى اللَّه عليه وآله ليندرج في الأدلة فنفس الحكم المقرر منه ضروري لا يحتاج إلى الدليل بخلاف ضروريات المذهب فإنه ليس حكم الشارع به ضروريّا وإنما الضروري هو حكم الإمام عليه السلام به وليس هو بنفسه حكما شرعيا إذ ليسوا عليهم السلام بشارعين للأحكام فهو في الحقيقة دليل على حكم الشارع لما دل على عصمتهم عن الخطاء فيندرج بملاحظة ذلك في الأدلة الفقهية هذا غاية ما يتخيل في الفرق ولا يخلو عن إشكال فتأمل قوله وخرج بالتفصيلية علم المقلد إلى آخره يمكن الإيراد عليه من وجوه أحدها أن التقليد مغاير للعلم ولذا يجعل قيما له حيث قسّموا الاعتقاد إلى العلم أو الظن والتقليد والجهل المركب فاعتقاد المقلد غير مندرج في الجنس ويمكن دفعه بأن التقليد المقابل للعلم غير التقليد المصطلح في المقام فإن المراد به هناك هو الأخذ بقول الغير عن غير حجة وأخذ المقلد بقول المجتهد ليس كذلك لكون أخذه به عن دليل صغراه محسوسة أو ما بمنزلتها وكبراه قطعية ظاهرة يحصل العلم بها بأدنى التفات وقد نصوا بذلك في محله ثانيها أن علم المقلد غير حاصل عن الأدلة وإنما يحصل من دليل واحد إجمالي مطرد في جميع المسائل والجواب عنه ما عرفت عن أن المراد بالأدلة في المقام جنسها ولذا لو فرض كون الفقيه عالما بجميع الأحكام من السنة لم يكن مانعا عن صدق الفقه فالجمعية غير منظورة في المقام كما مر ولو سلم ملاحظة الجمعية فيه فقد يكتفي في صدقها بملاحظة تعدد الآحاد فإن قول كل مجتهد دليل بالنسبة إليه وكذا كل واحد من فتاويه دليل بالنسبة إلى الحكم الذي هو أفتى به ومع الغض عن ذلك فالأدلة الإجمالية في شأنه أيضا متعددة فإنه قد يكون الحجة عليه قول المجتهد الحي الأفضل ثم المفضول ثم قول معظم الأموات فيما إذا لم يتمكن من قول الحي وتمكن من تحصيل الشهرة ثم قول الأفضل من الأموات ثم قول أيّ منهم وقد يرجع إلى الأخذ بالاحتياط إذا تمكن من تحصيله إلى غير ذلك من الوجوه المذكورة في محله فهناك أدلة إجمالية في شأنه وإن كانت مترتبة في الحجية لكن يمكن اجتماعها في الحجية بالنسبة إلى المسائل المتعددة ثالثها أنه بعد الحكم بكون المقلد أيضا أخذا عن الأدلة فله أيضا تفصيل فيها فإن قول المجتهد بالنسبة إليه كقول النبي صلى اللَّه عليه وآله والإمام عليه السلام بالنسبة إلى المجتهد فلكلامه أيضا عام وخاص ومطلق ومقيد ونص وظاهر بل وناسخ ومنسوخ نظرا إلى ما يطرؤه من العدول في بعض الأحكام وكذا قد يأخذ الحكم عنه مشافهة وقد يأخذه بالواسطة مع اتحادها أو تعدّدها مع اختلاف مراتب العدالة وكيفية ثبوتها عنده إلى غير ذلك مضافا إلى ما عرفت من أدلته المترتبة ومع الغض عن ذلك كله فقد يضم الدليل الإجمالي إلى الأدلة التفصيلية كما في المتجزي على القول به فيصدق إذن على علمه أنه مأخوذ عن الأدلة التفصيلية مع عدم صدق الفقه على ما أخذه على سبيل التقليد ويدفعه ما مر من أن شيئا من أدلة المقلد لا يفيد الحكم على وجه التفصيل وإنما يفيده على جهة الإجمال حسبما مر وليس مجرد تعدد الأدلة قاضيا بكونها تفصيلية كما أن اتحاد نوع الدليل للمجتهد في صورة الاكتفاء به لا يجعله إجماليا على أن الحجة عليه هو قول المجتهد وهو دليل واحد إجمالي والتفصيل المذكور إنما يقع في معرفة حكمه وطريق إثباته والعلم به وبما ذكرنا يعرف الحال في المتجزي بالنسبة إلى ما يأخذه على وجه التقليد هذا وأنت خبير بأن الظاهر من الأدلة في المقام هو الأدلة المعهودة للفقه بناء على ظهور الإضافة هنا في العهد حسبما مرت الإشارة إليه وحينئذ فلا حاجة إلى ضم التفصيلية ويعضده أنه لا يقال عرفا لمن أخذ المسألة من التقليد أنه عرفها بالدليل بل يجعل المعرفة على جهة التقليد مقابلا للأخذ عن الدليل كما لا يخفى فحينئذ يتجه كون التقييد بالتفصيلية توضيحيّا قال بعض أفاضل العصر إنه يمكن أن يكون قيد التفصيلية لإخراج الأدلة الإجمالية لأن ثبوت الأحكام في الجملة من ضروريات الدين فما دل على ثبوت الأحكام إجمالا من الضرورة وغيرها مثل عمومات الآيات والأخبار الدالة على ثبوت التكاليف إجمالا أدلة لكن إجمالا لا تفصيلا وهذا لا يسمى فقها بل الفقه هو معرفة تلك الأحكام الإجمالية من الأدلة التفصيلية وفيه أن الظاهر من العلم بالأحكام هو المعرفة بآحادها على سبيل التفصيل إذ لا يعد ما ذكره ذلك علما بالأحكام وأيضا العلم بالأحكام على وجه الإجمال حاصل من الضرورة كما نص عليه وليس العلم الحاصل منها علما حاصلا من الدليل ومن العجب أنه نص سابقا بخروج الضروريات عن الفقه بقولهم من أدلتها معللا بأنه لا يسمى العلم الحاصل منها علما محصّلا من الدليل ومع ذلك ذكر في المقام ما حكيناه وأعجب من ذلك تعجبه من فحول العلماء أنهم كيف غفلوا عن ذلك ولم يسبقه إلى ما ذكره أحد فيما يعلم قوله ويعلم بالضرورة أن ذلك الحكم المبين إلى آخره قد يقال في المقام إن الدليل المذكور ليس دليلا لعلم المقلد بالحكم وإنما هو دليل على جواز عمله ووجوب الأخذ به وكونه حجة عليه كما أن للمجتهد نظيره أيضا فليس للمقلد إذن علم بالأحكام الشرعية وليس هناك دليل إجمالي يفيد العلم بها حتى يقال بخروجه بالقيد المذكور وأنت خبير بأن العلم يتوقف على العلم فلو لا علمه بالحكم لم يصح منه الأعمال المتوقفة على القربة وقصد الامتثال كيف وهو عالم بما هو تكليفه في الشريعة فإن ما أفتى به المفتي هو حكم اللّه تعالى في حقه ولذا يصح له الحكم بالمسألة إذ أخذها عن المجتهد في وجه قوي إذ فتواه دليل شرعي بالنسبة إليه فهو حاكم بالمسألة من دليله وليت شعري كيف يعقل القول بكونه غير عالم بالحكم مع قطعية المقدمتين المذكورتين المنتجتين لكون ما أفتى به المفتي هو حكم الله في حقه وأقصى ما يراد من العلم بالأحكام القطع بالحكم مع قطعه بأحكامه تعالى وهو حاصل له بمقتضى الدليل القاطع المذكور غاية الأمر أن لا يكون قاطعا بحكمه الواقعي الأوّلي وهو غير حاصل للمجتهد أيضا في الغالب كما سيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى [ في معنى الاطراد والانعكاس . ] قوله إن كان المراد بالأحكام البعض كأنه يريد به معنى الاطراد والانعكاس حمل اللام على الجنس الصادق على البعض إذ إرادة العهد الذهني مما لا وجه له في المقام قوله لم يطرد لما كانت مساواة الحد للمحدود معتبرة في صحة التحديد وكان مرجع التساوي إلى موجبتين كليتين اعتبر في صحة الحد من صدق قضيتين موجبتين كليتين إحداهما صدق المحدود على جميع مصاديق الحد وحمله عليه كليا والأخرى عكسه أعني صدق الحد على جميع مصاديق المحدود وحمله عليه كذلك وإن لم يكن عكسا بالمصطلح فعبروا عن الأول بالاطراد وعن الثاني بالانعكاس فالمقصود بالاطراد هو اطراد صدق المحدود على مصاديق الحد فلا يكون شيء من مصاديق الحد إلا ويصدق عليه المحدود وعكسه وهو اطراد صدق الحد على المحدود يسمونه بالعكس وإنما اعتبروا الأول طردا والثاني عكسا دون العكس إذ الملحوظ في صحة التحديد حال الحد في مساواته للمحدود فالأنسب أن يجعل موضوعا في الكلية الأولى فيؤخذ في الأخيرة عكسها هذا والجامعية أن لا يخرج عن الحد شيء من أفراد المحدود والمانعية أن لا يصدق الحد على غير أفراد المحدود فالثاني من لوازم الاطراد كما أن الأول من لوازم الانعكاس ولذا يقع التعبير في كلماتهم تارة بالطرد والعكس وأخرى بالجمع والمنع وقد يقال إن الاطراد هو التلازم في