الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

66

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

على الاشتراك إلى أن يتبين خلافه أو يشك في الحال فتوقف خامسها لو نقل اللفظ عن معناه واستعمل في معنيين آخرين وحصل الشك في نقله إليهما معا أو إلى أحدهما فإن كان وضعه الطاري من جهة التعيين وغلبة الاستعمال فلا ريب في الاقتصار على القدر الثابت وعدم تقديم الاشتراك وإن قيل بترجيح الاشتراك على المجاز استصحابا لحال الاستعمال وكذا لو كان الوضع الثاني على سبيل التعيين مع ثبوت استعماله فيه قبل ذلك على سبيل المجاز وأما مع حدوث المعنى والشك في كون الاستعمال من جهة الوضع أو العلاقة فعلى القول بتقديم الاشتراك وجهان ولا يبعد البناء حينئذ على ترجيح الاشتراك أيضا ثانيها الدوران بين الاشتراك والتخصيص وحيث عرفت ترجيح المجاز على الاشتراك ظهر ترجيح التخصيص عليه أيضا سيما بملاحظة شيوعه وكثرة رجحانه على المجاز كما سيأتي إن شاء الله تعالى ثالثها الدوران بين الاشتراك والتقييد والأمر فيه أيضا ظاهر مما مر سيما إذا كان التقييد خاليا عن التجوز رابعها الدوران بين الاشتراك والإضمار والحال فيه أيضا ظاهر مما عرفت إذ الإضمار عديل المجاز والظاهر أن القائل بتقديم الاشتراك على المجاز لا يقول بتقديمه على هذين إذ العمدة فيما استند إليه ظهور الاستعمال فيه والاستعمال في غير المعنى الواحد غير ظاهر في المقامين نعم إن كان التقييد بالاستعمال في خصوص المقيد جرى فيه ما ذكر ويجري الوجهان في التخصيص فإن قلنا باستعمال اللفظ في الخصوص كما هو المشهور قام الوجه في ترجيح الاشتراك وإلا فلا وجه له لعدم تعدد الاشتراك المستعمل فيه خامسها الدوران بين الاشتراك والنقل وذلك بأن يكون اللفظ موضوعا بحسب اللغة مثلا لمعنى ثم يستعمل في العرف في معنى آخر إلى أن يبلغ حد الحقيقة أو يوضع له في العرف وضعا تعيينيا ويشك في هجر المعنى الأول ليكون منقولا وعدمه ليكون مشتركا قولان ذهب العلامة رحمه الله إلى كل منها في النهاية والتهذيب والأول محكي عن جماعة من العامة كالرازي والبيضاوي واختاره في المنية وكان الأظهر الثاني أخذا بأصالة بقاء الوضع الأول وعدم هجره إلا أن يثبت خلافه وغاية ما يثبت حينئذ بلوغ المعنى الثاني إلى حد الحقيقة أو الوضع له وأما هجر الأول فغير معلوم والقول بغلبة النقل على الاشتراك على فرض تسليمه مدفوع بأنه ليس بمثابة يورث الظن به لشيوع الأمرين غاية الأمر أن يكون ذلك أغلب في الجملة وقد عرفت أن مثل ذلك الغلبة لا يفيد ظنا في الغالب نعم قد يقال إن الغالب في الأوضاع الجديدة هجر المعنى السابق وتركه في ذلك العرف كما يعرف ذلك من ملاحظة المعاني العرفية العامة والخاصة بل لا يكاد يوجد صورة يحكم فيها ببقاء المعنى الأول فقد يستظهر بملاحظة ذلك الحكم بالهجر فتأمل وربما يؤيده أيضا ذهاب الجماعة إليه حيث إنه لا يعرف القول الآخر إلا العلامة رحمه الله وهو ممن ذهب إلى الثاني أيضا ومن التأمل فيما ذكرناه ينقدح وفيه وجه آخر وهو التفصيل بين ما إذا كان ثبوت الثاني في عرف غير العرف الأول أو عند أهل ذلك العرف فيقال بترجيح النقل الأول والاشتراك في الثاني وكأنه الأوجه فتأمل ثم إنه ربما يعارض أصالة بقاء المعنى الأول وعدم هجره بتوقف المشترك في إفادة المراد على القرينة بخلاف المنقول وفيه أنه إن أريد بذلك التمسك بأصالة عدم التوقف عليها ففيه أن الحكم بالفهم من دون القرينة خلاف الأصل أيضا فينبغي أن يقتصر فيه على القدر الثابت وهو صورة وجود القرينة فإن قلت وضع اللفظ للمعنى قاض بفهمه من اللفظ فالأصل البناء عليه حتى يثبت خلافه قلت لا مجال لذلك بعد ثبوت الوضع للمعنيين فإن قضية ذلك التوقف بين الأمرين غاية الأمر أن يشك في كون أحدهما ناسخا للآخر فمع الغض من أصالة عدمه لا أقل من الوقف في الفهم لاحتمال الأمرين فلا يحصل لأصالة عدم التوقف عليها مضافا إلى ما عرفت من أن التوقف المذكور من فروع أصالة بقاء المعنى الأول فلا وجه لجعله معارضا لأصله وإن أريد به أصالة عدم ذكر القرينة في مقام التفهيم فمرجعه أيضا إلى الوجه الأول إذ ذكر القرينة في المقام إنما يتبع وجود الحاجة إليها فإن فرض استقلال اللفظ في الدلالة وإلا فلا معنى لعدم الحاجة إليها وأصالة عدمها مع أن المفروض الشك في الأول ومع الغض عن ذلك فهو معارض بأصالة عدم استقلال اللفظ في الإفادة وإن أريد به التمسك بذلك في إثبات قلة المؤن في جانب النقل أيضا وكثرتها في الاشتراك فذلك مع عدم إفادته ظنا في المقام معارض بوجود ما يعارضه في جانب النقل أيضا ثم إنه قد يقع الدوران بين الاشتراك والنقل في صور أخرى منها أن يكون اللفظ حقيقة بحسب اللغة في معنى مخصوص ويوجد في العرف حقيقة في الآخر ويشك حينئذ في ثبوت ذلك المعنى في اللغة أيضا ليكون مشتركا بينهما وعدمه ليكون منقولا وقد يشك حينئذ في ثبوت المعنى اللغوي في العرف أيضا ليكون مشتركا بينهما في اللغة والعرف وقضية الأصل حينئذ عدم اشتراكه بحسب اللغة فيقدم النقل عليه ويرجع الحال في اشتراكه بحسب العرف إلى الصورة المتقدمة نظرا إلى الشك في هجر المعنى الأول وعدمه ومنها أن نجد للفظ معنيين في العرف ونجد استعماله في اللغة في معنى ثالث يناسبهما ويشك في كونه ذلك هو معناه الحقيقي في اللغة ليكون متحد المعنى بحسبها فيكون منقولا إلى ذينك المعنيين في العرف أو أنه حقيقة فيها من أول الأمر ليكون مشتركا بحسب اللغة من دون نقل وقضية أصالة تأخر الحادث عدم ثبوت الوضع لهما في اللغة إلا أنه لما لم يكن وضعه للمعنى الآخر معلوما من أصله فقضية الأصل عدم ثبوت الوضع له أيضا وحينئذ فيحتمل ثبوت المعنيين له بحسب اللغة لأصالة عدم تغير الحال فيه وأن يقال بوضعه لأحدهما ثم طرو وضعه للآخر اقتصارا في إثبات الحادث على القدر الثابت فتأمل ومنها أن يكون مشتركا بين المعنيين بحسب اللغة واستعمل في العرف في معنى ثالث واشتهر استعماله فيه إلى أن شك في حصول النقل وهجر المعنيين فيدور الأمر بين الاشتراك بينهما بحسب العرف كما كان في اللغة ونقله إلى المعنى الثالث ولا ريب أن قضية الأصل حينئذ بقاء اشتراكه بين المعنيين إلى أن يثبت النقل سادسها دوران الأمر بين الاشتراك والنسخ كما إذا قال ليكون ثوبي جونا وعلما بوضع الجون للأحمر ثم قال بعد ذلك ليكون أسود فشك حينئذ في وضع الجون للأسود أيضا