الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
63
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
لم يتحقق هناك مصداق لجريان الأصل كما لا يخفى فإن قلت إن الاستناد إلى الأصل إنما يتم في المقام إذا أفاد الظن بمواده لابتناء الأمر في اللغات على الظن وأما مع الشك في حصول الوضع وعدمه فلا دلالة فيه على ذلك لانتفاء دليل على حجية الأصل في المقام على سبيل التعبد قلت إنما يتم ما ذكر إذا أريد بإعمال الأصل المذكور إثبات معنى اللفظ فإنه لا وجه إذن للحكم به من دون الظن وأما إذا أريد نفيه به فلا وجه لاعتبار الظن فيه بل يكتفي في ذلك بمجرد الشك ويشهد له ابتناء إثبات اللغات على الظن فمع عدم حصول الظنّ لا يمكن الحكم بالثبوت كما هو المفروض في المقام فيبنى على عدمه بمقتضى الأصل وأنت خبير بأن قضية ابتناء اللغات على الظنّ توقفها عليه في الإثبات والنفي غاية الأمر أنه مع عدم حصول الظن ينبغي التوقف فيها من الحكم لا الحكم بنفيها كما هو المدعى وبعد التسليم فإنما يصح الاستناد إلى ما ادعى من الأصل في نفي الوضع للمعنى المذكور وأما إثبات اتحاد المعنى الموضوع له فيصرف اللفظ إليه عند انتفاء القرائن ويحكم بكونه مرادا للافظ بخصوصه وهو من الأمور الوجودية المبتنية في المقام على المظنّة إذ لا وجه للحكم بكون شيء مقصودا للمتكلم من دون ظن بإرادته له ولا أقل من الظن به بحسب متفاهم العرف والمفروض الشك فيه في المقام فالتحقيق في الجواب أن يقال إنا لا نقول بما ذكرنا إلا مع الظن به وقد عرفت الكلام في تقديم المجاز على الاشتراك بعد ملاحظة كل منهما في نفسه مع قطع النظر عن الأمور الطارية عليهما المرجحة لكل منهما بحسب خصوصية المقامات ولا شك أن المجاز لو كان موافقا للاشتراك والاشتراك مخالفا له من غير أن يكون في جهة الاشتراك ما يعارضه كان المجاز هو الظاهر لإفادة الأصل ظنا بمؤدّاه في مثل ذلك نعم إذا كان في جهة الاشتراك مرجح آخر بحسب المقام وحصل الشك لزم التوقف إلى أن يجعل مرجح يوجب عليه الظن بأحد الجانبين وهو خارج عن محل الكلام الثاني أن المجاز أغلب من الاشتراك فإن الألفاظ المستعملة في معاني متعددة مجاز فيما يزيد على المعنى الواحد في الغالب وما هو حقيقة في المعنيين فيما فوقهما قليل بالنسبة إليه والظن إنما يلحق الشيء بالأعم الأغلب ويرد عليه تارة أن الاشتراك أغلب من المجاز إذا أكثر الموارد المذكورة في كتب اللغة قد ذكر لها معاني عديدة فلو لم تكن حقيقة في الكل فلا أقل من كونها حقيقة غالبا فيما يزيد على المعنى الواحد وكذا الحال في الحروف والأفعال كما يظهر من ملاحظة الكتب العربية ثم مع الشك في كون المجاز تلك المعاني حقائق أو مجازات فقيام الاحتمال كاف في هدم الاستدلال إذ لا يثبت معه كثرة المجاز بالنسبة إلى الاشتراك ليتم الاحتجاج وأخرى بأنا إذا سلمنا قلة الاشتراك بالنسبة إلى المجاز ليس كل قلة وكثرة باعثا على حصول الظن في جهة الكثير بل يعتبر في الكثرة المفيدة للمظنة أن يكون ما يقابلها نادرا في جنبها حتى يحصل الظن بكون المشكوك فيه من الغالب إذ من المبين أن مجرد الغلبة مع شيوع مقابله أيضا لا يفيد ظنا بكون المشكوك من الغالب كما هو ظاهر من ملاحظة نظائر المقام وكون الكثرة في المجاز على النحو المذكور ممنوع بل الظاهر خلافه وقد يجاب عن الأول بأنه لا تأمل في غلبة الحقيقة والمجاز على الاشتراك ألا ترى أن معظم المخاطبات خالية عن الاشتراك وهو مع كمال ظهوره مقتض للحكمة الباعثة على الوضع إذ لولا ذلك لافتقر معظم الاستعمالات إلى ضم القرائن في الانتقال إلى المقصود المعينة للمراد وفيه فوات الحكم الباعثة على وضع الألفاظ إذ المقصود منها عدم الافتقار إلى القرائن في الانتقال إلى المقصود حتى أنه قيل بامتناع الاشتراك نظرا إلى إخلاله بالتفاهم فلذا لم يقل بذلك في جميع الألفاظ لوجود فوائد أخر باعثة على الاشتراك فلا أقل من القول به في المعظم إذ الإخلال بالتفاهم في معظم الاستعمالات مخالف للحكمة المذكورة قطعا والفوائد المترتبة على الاشتراك لا تعارض تلك الفائدة العظمى التي هي العمدة في ثمرة الوضع وقد يقال إن الوجه المذكور إنما يفيد عدم شيوع الاشتراك في الألفاظ الدائرة في المحاورات وليس كثير من الألفاظ الموضوعة بحسب اللغة دائرة في المحاورات الجارية فأي مانع من غلبة الاشتراك أو مساوية للمجاز بعد ملاحظة الجميع وفيه مع عدم جريان ذلك في خصوص الألفاظ الدائرة لتسليم قلة الاشتراك فيها أن دوران اللفظ في الاستعمال من الأمور المختلفة بحسب اختلاف العبادات بالنسبة إلى الأزمان والبلدان والحكمة المذكورة إنما تلاحظ حين الوضع فغلبة الاشتراك في الألفاظ الموضوعة مخالفة لما هو الغرض الأهم من الوضع فالظاهر عدمه مضافا إلى ما عرفت من أنه الظاهر من ملاحظة الألفاظ الدائرة في المحاورات حتى أنه وقع الخلاف في وقوع المشترك في اللغة فغلبة الحقيقة المتحدة على المتعددة مما لا ينبغي الريب فيه وعن الثاني بأنه لو نوقش في كون غلبة مطلق المجاز على الاشتراك قال أغلب المشتركات ليس بين معانيها مناسبة مصححة للتجوز ويومي إليه أنه مع حصول المبالغة إلى حد يورث الظن بالتجوز عند الشك في حال اللفظ فلا مجال للمناقشة في غلبته حينئذ في خصوص المقام إذ المفروض هنا حصول العلاقة المصححة للتجوز ولا شك في غلبة المجاز حينئذ على الاشتراك فإن أغلب المشتركات ليس بين معانيها مناسبة مصححة للتجوز ويومي إليه أنه مع حصول العلاقة المصححة للتجوز وحصول الوضع الترخيصي في المجاز لا حاجة إلى وضع اللفظ ثانيا بإزاء ذلك المعنى لاشتراك الاشتراك والمجاز في اعتبار القرينة وحصول التفاهم معها على الوجهين فلا يترتب حينئذ على الوضع فائدة يعتد بها مع ما فيه من المفسدة ولهذا يقل الاشتراك فيما هو من هذا القبيل وقد يقرر كثرة المجاز بوجه آخر وهو أن يقال إن المعاني المجازية للألفاظ إذا لوحظت بالنسبة إلى معانيها الحقيقية كانت أكثر منها جدّا وهو أحد الوجوه فيما اشتهر بينهم من أن أغلب اللغة مجازات وحينئذ فيلحق المشكوك بالأعم الأغلب وعلى هذا يندفع عنه بعض ما ذكر من الإيراد من غير حاجة إلى ملاحظة ما ذكر نعم قد يرد النقض بمتحد المعنى مع البناء فيه على أصالة الحقيقة ويمكن