الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
58
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
أعني المستثنى منه فإن صحّة الاستثناء منه يدل على اندراج ذلك فيه وملاحظة المعنى الشّامل لذلك هناك فأقصى ما يفيده استعماله فيما يعم ذلك ومجرد الاستعمال أعم من الحقيقة ولو كان مجازا فالاستثناء المفروض كاف في الدلالة عليه وكونه قرينة لإرادته ولا يلزم حينئذ أن يكون الاستثناء منقطعا ضرورة اندراج المستثنى في المستثنى منه في ظاهر المراد كما إذا قيل تحذر من الأسود إلاّ زيدا فإنه قرينة على إرادة الرجل الشّجاع أو ما يعمه من لفظ الأسد فصحّة الاستثناء حاصلة في أمثال ذلك مع انتفاء الحقيقة ولا ينافيه كونه لإخراج ما لولاه لدخل نظرا إلى دخوله فيما أريد من اللفظ وإن كانت القرينة على دخوله نفس الاستثناء وهو المخرج عنه أيضا ولا منافاة ومما يشير إلى ما قلناه أن صحة الاستثناء لا يزيد على صحة الحمل بحسب العرف فكما لم يجعلوا تلك أمارة على الحقيقة لاحتمال كون المراد من اللفظ المحمول معناه المجازي فكذا الحال في صحّة الاستثناء لقيام احتمال كون المراد بالمستثنى منه ما يشتمل ذلك مجازا ليصحّ الإخراج وهذا بخلاف إفادته دلالة المستثنى منه على العموم كما أشرنا إليه ولذا جروا عليه في هذا المقام دون المقام المذكور ويشكل بجريان هذا الكلام بعينه في المقام الأوّل أيضا إذ غاية ما يتوقف عليه صحّة الاستثناء على سبيل الحقيقة إرادة العموم من المستثنى منه كما هو قضية حده حسبما ذكر في الاستدلال وأما كون تلك الإرادة على سبيل الحقيقة فلا حسبما أشير إليه في الصّورة المذكورة توضيح ذلك إذ هناك وجوها ثلاثة أحدها أن لا يكون المستثنى منه مستعملا في العموم وحينئذ يكون الاستثناء مجازا خارجا عن مقتضى وضعه على ما ذكر في الاحتجاج ثانيها أن يكون مستعملا في العموم لكن على سبيل المجاز وحينئذ يكون الاستثناء على حقيقة إذ هو المفروض حينئذ اندراج المستثنى في المستثنى منه وحصول الإخراج بالاستثناء كما هو مقتضى حده وخروج المستثنى منه عن مقتضى وضعه لا يقتضي بخروج الاستثناء أيضا ثالثها أن يكون مستعملا في العموم موضوعا بإزائه وحينئذ مجاز في شيء من الأمرين والمقصود في المقام هو الاحتجاج بصحة الاستثناء على ذلك وهو على فرض صحته إنما يفيد ما يعم الوجهين الأخيرين وغاية الأمر أن يتمسّك حينئذ في إثبات وضع المستثنى منه للأعم بأصالة الحقيقة بعد ثبوت استعماله في الأعم وقد عرفت أنه لا يتم ذلك إلا مع اتحاد المستعمل فيه لا مع تعدّده ويمكن تتميم الاستدلال حينئذ بوجهين أحدهما أن يقال إن اطراد صحّة الاستثناء دليل على استفادة العموم منه في سائر استعمالاته وإلا لم يصحّ ورود الاستثناء عليه فيما إذا استعمل في غيره فلا يكون صحّة ورود الاستثناء عليه مفردا خلف فيكون اطراد صحة الاستثناء منه دليلا على اتحاد معناه وحينئذ فلا إشكال في الحكم بأصالة الحقيقة حسبما مر فإن قلت إن ورود الاستثناء عليه قاض باستعماله في الخصوص وهو مغاير للعموم فيتعدد معناه قلت فرق بين استعماله أولا في الخصوص وكون الخصوص هو المقصود منه أخيرا بعد استعمال اللّفظ في العموم أولا ليكون قابلا لورود التخصيص عليه فإن استعماله في الخصوص على الوجه الأوّل قاض بتعدّد المعنى قطعا وأما على الوجه الأخير فلا سواء أدرجنا التخصيص في أقسام المجاز أو لا كما يخفى فلا تغفل نعم يمكن أن يقال إن الوجه المذكور لا يفيد كون صحّة الاستثناء دليلا على الوضع وإنما هو دليل على جعل اللفظ من مورد أجزاء الأصل المذكور فالدليل على الوضع حينئذ هو الأصل إلا أن يوجه بأنّه لما كان سببا بعيدا في إثبات الوضع استند ذلك إليه ولا مشاحة فيه بعد ظهور المراد ولا يخلو عن تكلف ثانيهما أن قبول مدلول اللفظ للاستثناء على سبيل الاطراد شاهد على وضع اللفظ للعموم إذ لولا وضعه له لكان استفادته فيه متوقفا على قيام القرينة عليه فلا يصحّ الاستثناء منه إلا بعد قيامها هذا خلف والقول بكون نفس الاستثناء قرينة عليه مدفوع بأنه إنما يصح جعله قرينة عند وجوده وأمّا مجرّد صحّة وروده عليه فلا يعقل أن يكون قرينة عليه بل هو شاهد على كون المعنى في نفسه قابلا لذلك ولا يمكن أن يكون كذلك إلا مع وضعه للعموم إذ لو كان موضوعا لغيره فقط أو مشتركا بينه وبين غيره لم يطرد صحّة ورود الاستثناء عليه لتوقفهما على إرادة العموم أولا كما عرفت وقد يجري التقرير المذكور بالنسبة إلى صحة الحمل في دلالتهما على الحقيقة فيفرق إذن بين مطلق صحة الحمل وكون اللفظ مع إطلاقه قابلا للحمل لتوقف ذلك إذن على قبول معناه الحقيقي له فتأمل هذا ويشكل الحال في الاستناد إلى ذلك في المقام الأول بأن أقصى ما يفيده صحة الاستثناء حينئذ هو استفادة العموم من المستثنى منه مع الإطلاق سواء كان إفادته ذلك على سبيل الوضع أو بالالتزام من جهة العقل لصحة الاستثناء حقيقة على كل من الوجهين كما في أكرم كل رجل إلاّ زيدا أو ما جاءني أحد إلا زيد فإن شمول الأوّل للآحاد من جهة وضعه له والثاني من جهة دلالة على نفى الطبيعة المستلزمة لنفي آحادها فالاستناد إليه في المثال على الوضع للعموم ليس في محلّه نعم لو انحصر الأمر في دلالته على العموم على وضعه له كما في لفظة كل ونحوها أمكن الاستناد إليه في إثباته ومنها اختلاف جمعي اللفظ بحسب معنييه مع ثبوت كونه حقيقة في أحدهما فإن ذلك دليل على كونه مجازا في الآخر كالأمر في أنه يجمع بملاحظة إطلاقه على القول المخصوص المعلوم كونه حقيقة فيه على أوامر وبملاحظة إطلاقه على الفعل على أمور فيستفاد من الاختلاف المذكور كونه مجازا في الثاني إذ لولا ذلك لما اختلف الجمع بحسبهما فإنّ اختلافه بالنّسبة إليهما دليل على اختلاف حال اللفظ بالنّظر إليهما ولو كان موضوعا بإزاء كل منهما لم يؤثر ذلك اختلافا في اللفظ بملاحظة كل منهما وإنما يترتّب عليه اختلاف المسمى والاختلاف في الجمع يترتّب على اختلاف في حال اللّفظ وهو غير حاصل إلا مع كونه مجازا في الآخر كما يستفاد من الآمدي في الأحكام وهو من الوهن بمكان إذ لا مانع من اختلاف جمع المشترك بحسب اختلاف معنييه كما أشار إليه العلاّمة رحمه الله فيه فإذا أريد باعتبار اختلاف حال اللفظ في اختلاف جموعه ما يعم ذلك فممنوع ولا يثبت المدعى وإن أريد به غير ذلك فهو غير بين ولا مبين ومع الغض عنه فعدم حصوله