الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
4
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وهذا بخلاف ما إذا أخذ الأحكام كلها من الإمام عليه السلام فإن قوله عليه السلام مثبت للحكم في نفسه وكذا الكلام في الكتاب والإجماع ودليل العقل وفيه تأمل وقد يفسر التفصيلية بما يكون ذات وجوه وشعب كما هو الحال في أدلة المجتهد وفيه أيضا كلام يأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى قوله فخرج بالتقييد بالأحكام العلم بالذوات هذا إذا فسر العلم بمطلق الإدراك وأما إذا أخذ بمعنى التصديق فالعلم بالذوات بمعنى تصورها كما هو ظاهر العبارة خارج عن الجنس قوله وبالصفات ككرمه وشجاعته إلى آخره الظاهر أنه أراد به تصور تلك الصفات والأفعال كما يومي إليه عطفها على الذوات وإن أراد به انتساب تلك الصفات أو الأفعال إليه كما قد يومي إليه إضافتها إلى الضمير المشعر بملاحظة الانتساب فخروجها بقيد الأحكام غير ظاهر إلا بحملها على أحد معاني الأخيرة وقد عرفت أنه يكون قيد الشرعية حينئذ توضيحيّا فلا وجه للحكم بخروج العقلية بالتقييد بها إلا مع البناء على الوجه المتقدم وقد يورد في المقام بأنه كما يخرج المذكورات من جهة التقييد بالأحكام كذا يخرج به العلم بالموضوعات الشرعية كالصلاة والزكاة والحج والوضوء والغسل ونحوها مع أن بيانها من شأن الفقيه والمعرفة بها إنما تحصل بالفقه فلا ينعكس الحد ويدفعه أن الحكم بأن الصّلاة كذا والصوم كذا مثلا أحكاما شرعية وضعية مقررة من صاحب الشريعة إذ لا ينحصر الأحكام الوضعية في عدد فلا مخرج لها عن الحد وكونها موضوعات لمسائل الفن إنما يقضي بخروج تصوّراتها عن الفن وهو كذلك لوضوح خروج التصورات عن مسائل الفن ومع الغض عن التفصيل المذكور فلا مانع من التزام خروجها عن الفقه لوضوح كون تصور الموضوع وأجزائه وجزئياته خارجا عن مسائل الفنون وكذا التصديق التابع لها وكون العلم بها في الفقه وبيانها من شأن الفقيه لا يقضي باندراجها في مسائل الفقه كما هو الحال في تصور جزئيات الموضوع في سائر الفنون فإن العلم بها غالبا إنما يكون في تلك الفنون المدونة وبيانها من شأن أربابها مع خروجها عن الفن هذا وقد يقال إن قيد الاحتراز في الحد لا بد أن يكون محتاجا إليه بحيث لو لم يكن لدخل ما احترز به عنه وليس الحال كذلك في التقييد بالأحكام بالنسبة إلى إخراج الأمور المذكورة لخروجها بالتقييد بالشرعية الفرعية فالأولى أن يجعل التقييد بالأحكام لإخراج الموضوعات الشرعية حسبما ذكر وكذا صفاتها كصلاة الظهر والنكاح الدائم والطلاق الرجعي ونحوها لعدم خروجها بقيد الشرعية الفرعية فهي إنما تخرج بالتقييد بالأحكام كذا يستفاده من كلام بعض الأفاضل وأنت خبير بما فيه لوضوح أن المعتبر في القيود الاحترازية عدم إغناء الأول عن الأخير دون العكس فلا غضاضة فيما ذكره المصنف أصلا نعم قد يقال إنه لا وجه للتخصيص المخرج بالأحكام بما ذكره وفيه أنه لا دلالة في كلامه على التخصيص غاية الأمر أنه نص على المذكورات لوضوحها دون غيرها قوله كالعقلية المحضة كأنه قيدها بالمحضة إشارة إلى اندراج غير المحضة في الشرعية مما يحكم به كل من العقل والشرع استقلالا أو يدركه العقل بضميمة الشرع كوجوب مقدمة الواجب وكأنه أخذ الشرعية بأحد الوجهين المذكورين وقد عرفت ما فيه وإن فسرت بما ذكرناه خرج بها العقليات التي لا ارتباط لها بالشريعة سواء أخذت عن محض العقل أو النقل أو العقل المعتضد بالنقل ويمكن تطبيق كلامه على ذلك قوله والأصولية سواء كانت من أصول الدين وما يتبعها من الأمور المتعلقة بالمبدأ والمعاد وغيرها أو من أصول الفقه قوله وبقولنا عن أدلتها التفصيلية علم الله إذ ليس علمه تعالى بالأشياء حاصلا بطريق النظر والاستدلال والانتقال من المبادي إلى المطالب وكذا علوم الملائكة والأنبياء عليهم السلام ونحوها علوم الأئمة عليهم السلام فإن علومهم ضرورية حاصلة من أسباب باعثة عليه قد ذكر عدة منها في الأخبار وليس قول جبرئيل أو سائر الملائكة للنبي أو الإمام عليهما السلام بمنزلة قول النبي أو الإمام عليهما السلام بالنسبة إلينا إذ إفادة كلامهم العلم لنا إنما يكون على سبيل النظر والاستدلال وملاحظة عصمتهم من الكذب والسهو وليس كذلك الحال بالنسبة إليهم صلوات الله عليهم بل إنما يستفيد النبي من الوحي علما ضروريا بالحكم وكذا الإمام عليه السلام من قول الملك أو الإلهام أو غيرهما من وجوه العلم على نحو ما يحصل لنا العلم الضروري بالفطريات وكذا ما يستفيده الوصي عليه السلام عن النبي صلى اللَّه عليه وآله أو الأوصياء بعضهم من بعض بطريق الوراثة وعلم الأئمة عليهم السلام بالكتاب والسنة وضروب الاستدلال على النحو الحاصل لنا لا يوجب صدق كون علومهم حاصلة عن النظر إذ مع حصول الوجه الأوضح في العلم إنما ينسب العلم إليه فالدليل والمدلول عندهم بمرتبة واحدة في المعلومية وإن كان لو فرض انتفاء تلك الضرورة اكتفي بمعرفة الأدلة في الانتقال إلى مدلولاتها فلا يصدق حينئذ كون علومهم حاصلة عن الأدلة وقد يورد في المقام بعدم خروج العلوم المذكورة بذلك إذ يصدق على علمه تعالى وعلوم المعصومين عليهم السلام أنه علم بالأحكام الحاصلة عن الأدلة ولو كان حصولها عنها عند المجتهد إذ ليس في الحد ما يفيد كون ذلك العلم بخصوصه مستفادا عن الأدلة وأجيب عنه تارة بجعل الظرف من متعلقات العلم دون الأحكام وعدم صدقه على العلوم المذكورة حينئذ ظاهر وفيه أن قيام الاحتمال كاف في الإيراد إذ ليس في الحد ما يقضي بإرجاع الظرف إلى العلم ويدفعه أن المأخوذ من الدليل إنما هو التصديق فذلك شاهد على ارتباط الظرف في العلم وارتباطه بالأحكام وإن صح أيضا إلا أنه يتوقف على إضمار مقدر خاص وهو خلاف الظاهر نعم لو أخذ الأحكام بمعنى التصديقات ارتبط الظرف بها ولا إيراد أيضا إذ ليس التصديقات الحاصلة للمذكورين عن الأدلة مضافا إلى أنه لا بد حينئذ من أخذ العلم بمعنى الملكة كما عرفت فلا يندرج علمه تعالى في الجنس وقد يقال بمثله أيضا في علوم بعض المذكورين وتارة باعتبار الحيثية في المقام فيكون المراد العلم بالأحكام من الأدلة المستنبطة من الأدلة من حيث إنها مستنبطة عنها فيخرج العلوم المذكورة فإنه وإن صدقه عليها إنها علم بالأحكام المستنبطة عن الأدلة إلا أنها ليست علما بها من تلك الحيثية كذا ذكره بعض الأفاضل وفيه أن الحيثية المذكورة إن ارتبطت بالعلم تم ما ذكر من الجواب وأما إن ارتبطت بالأحكام فلا إذ يصدق على علمه تعالى أنه علم بالأحكام المستنبطة عند المجتهدين من الأدلة من حيث إن تلك الأحكام مستنبطة عند المجتهد كذلك وكذا علوم الملائكة والأنبياء والأئمة عليهم السلام إذا علموا بعلم المجتهد بها عن الأدلة بصدق الحد المذكور على علومهم حينئذ مع تلك الحيثية ومن البين أن الحيثية المذكورة إنما ترتبط بما أخذت قيدا فيه والمفروض اعتبارها في ارتباط الأحكام بالأدلة فيتعين الوجه الأخير ولو فرض جواز ارتباطه بالعلم أيضا فلا أقل من قيام الاحتمال القاضي في الحد بالإجمال ثم إنه ذكر الفاضل المذكور أنه يمكن إخراج