الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
490
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
العمل الواقع عن المفتي أو الأعمال الواقعة عن مقلديه فنقول إن كانت المسألة قطعية وقد قطع المفتي بذلك فالظاهر حينئذ فساد ما أتي به من الأفعال الواقعية على مقتضى فتواه الأول لعلمه بوقوعه على خلاف ما قرره الشارع من غير فرق في ذلك بين العبادات أو المعاملات والحق انتفاء الإثم عنه مع عدم تقصير في استنباط الحكم كما مرت الإشارة إليه وكذا الحال بالنسبة إلى مقلده إذا رجع إليه أو إلى غيره ممن يعتقد كون المسألة قطعية وأما إذا رجع إلى من يعتقد كونها اجتهادية فحكم بصحة ما فعله اجتزى به ولا يلزمه الرجوع إلى المفتي الأول إلا أن يكون قد تعين عليه تقليده من جهة أخرى ووقوع عباداته على مقتضى الأمر كما يقضي بصحتها لكون الأمر ظاهريا صرفا وهو لا يقضي بالإجزاء بعد انكشاف الخلاف وإن ظن خلاف ما أفتى به أو تردد فيه مع قضاء أصول الفقاهة عنده بخلاف فتواه السابق جرى حكم العدول في المسائل الاجتهادية بالنسبة إليه لاندراج المسألة في جملتها بحسب اعتقاده وكذا الحال فيمن قلده إن رجع في ذلك إليه أو إلى من يوافقه في ذلك وإن رجع إلى من يعتقد كون المسألة قطعية جرى عليها حكمها المتقدم من البناء على الفساد كما أنه يحكم بعدم ترتب الآثار على العقود والإيقاعات المفروضة الواقعة عن المجتهد المفروض ومن قلده في ذلك إذا قطع ما يترتب على الاجتهاد حينئذ ارتفاع الإثم وأما الصحة الشرعية فلا كما عرفت وإن كانت المسألة اجتهادية لكن بلغ اجتهاده الثاني إلى حد القطع بفساد الأول فالذي نص عليه بعضهم هو الحكم بفساد ما أتى به من العبادات الواقعة على النحو المذكور فيجب عليه الإعادة والقضاء فيما يثبت فيه القضاء بفوات ويدل عليه ما أشرنا إليه في الصورة المتقدمة وهو الأظهر وظاهر بعض فضلاء العصر عدم وجوب الإعادة والقضاء في المقام وفي المسألة المتقدمة أيضا نظرا إلى اقتضاء الأمر بالإجزاء وعدم تكليفه بغير ما أدى إليه الاجتهاد إذ المفروض بذل وسعهم في فهم المسألة وهو ضعيف لما عرفت من كون تكليفه بما أدى إليه ظنه ظاهريا فلا يراد منه الأخذ بالظن إلا من حيث كونه كاشفا عن الواقع موصلا إليه والفعل المفروض مطلوب شرعا من حيث إنه واقع لا من حيث ذاته ولو مع مخالفته للواقع فلما كان ذلك قبل انكشاف الخلاف محكوما في الشرع بأنه الواقع كان مجزيا فبعد انكشاف المخالفة لا يمكن الحكم بأداء الواجب فيجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء في خارجة فيما ثبت وجوب قضائه بعد فواته وسيأتي إن شاء الله توضيح القول في ذلك في مباحث التقليد هذا بالنسبة إلى العبادات وأما بالنظر إلى غيرها من العقود والإيقاعات والأحكام فلا بد من حكمه بالنقض إلا فيما إذا انضم إلى الفتوى حكم الحاكم فيجري فيه الكلام الآتي والوجه فيه ظاهر بعد القول بالتخطئة وعدم كون فتوى المجتهد باعثا على تغيير الحكم بحسب الواقع والظاهر أنه لا كلام فيه عندنا ولا فرق فيه أيضا بين الأعمال الصادرة عن المجتهد أو عن مقلديه إن رجعوا في ذلك إليه وأما إن رجعوا إلى غيره ممن لا قطع له بالحكم فحكم بصحة الأفعال الواقعة منهم جروا عليه وإن بلغ اجتهاده الثاني إلى حد الظن أو تردد في المسألة وقضى أهل الفقاهة عنه بخلاف ما أفتى به أولا فظاهر المذهب عدم وجوب الإعادة والقضاء للعبادات الواقعة منه ومن مقلديه ويدل عليه بعد لزوم العسر والحرج في القول بوجوب القضاء أن غاية ما يفيده الدليل الدال على وجوب الأخذ به وقد وقع الفعل المفروض على مقتضى حكم الشرع وما دل عليه الدليل الشرعي فيكون مجزيا والظن المذكور القاضي بفساده لم يقم دليل على وجوب الأخذ بالنسبة إلى الفعل المتقدم وحينئذ فلا داعي إلى الخروج عن مقتضى الظن الأول بعد وقوع الفعل حال حصوله وكون إيقاعه على ذلك الوجه مطلوبا للشرع ومنه يعلم الحال بالنسبة إلى من قلده نعم لو سئل عن الواقعة المفروضة غير من قلده وكانت المسألة قطعية عند من استفتاه فأفتاه بوجوب الإعادة والقضاء لزمه ذلك فإن قلنا إنه كما قضى الظن الأول بصحة الفعل الواقع على مقتضاه فقد قضى الظن الثاني باشتغال الذمة بالفعل المطابق لمقتضاه فغاية الأمر حينئذ عدم وجوب القضاء لعدم تحقيق صدق الفوات وأما الإعادة فلا وجه لسقوطه عنه إذ مع بقاء الوقت وقضاء الظن الثاني باشتغال الذمة بأداء الفعل على الوجه الذي اقتضاه الظن المفروض لا بد من الإتيان به على ذلك الوجه فلا يقتصر الحكم بالاشتغال حينئذ إلى تعلق أمر آخر حتى يمكن دفعه بالأصل قلت بعد الحكم شرعا بحصول البراءة بأداء الفعل على مقتضى الظن الأول لا يبقى مجال للحكم بالاشتغال به بناء على الوجه الثاني لوضوح أنه ليس هناك إلا تكليف واحد فإذا كان الوجه الأول طريقا إلى تفريغ الذمة شرعا ولم يقم دليل على فساد ذلك الطريق وعدم جواز الأخذ به صح الحكم بالبراءة وحينئذ فلا وجه للحكم بالاشتغال من جهة الظن الثاني نعم لو لم يأت بالفعل على الوجه الأول فقد قضى الظن الثاني بعدم حصول البراءة إلا بإتيانه على الوجه الثاني وكما أن الأول طريق شرعي فكذا الثاني فأي وجه للترجيح قلت لا ريب أنه بعد تعارض الظنين المفروضين لا وجه للحكم بترجيح الأول بل يتعين الأخذ بالثاني كما إذا لم يأت به على الوجه الأول حسبما ذكرناه وأما في الصورة المفروضة فلا تعارض بين الظنين المفروضين إذ بعد الحكم بحصول البراءة بالفعل الأول لا اشتغال في ظاهر الشرع حتى يكون قضية الثاني توقف البراءة عنه بإتيانه على الوجه الثاني نعم لو قضى الظن الثاني بعدم حصول البراءة بما أتى به أولا تم الكلام المذكور إلا أنك قد عرفت أنه لا دليل على حجية الظن الثاني إلا بالنسبة إلى ما بعد حصوله أما بالنظر إلى الفعل الواقع قبل حصوله فلا وحينئذ فمع عدم حجية الظن المفروض إلا لذلك الوجه المخصوص لا يبقى مجال للمعارضة بين الظنين حسبما قررناه وأما العقود والإيقاعات الواقعة على مقتضى الاجتهاد الأول فإما أن تكون صادرة عن المجتهد المفروض أو عن مقلديه فإن كانت صادرة عن المجتهد فإما أن ينضم إليها حكم الحاكم أو لا أما على الأول فقد نص جماعة بعدم نقضه ويعلل ذلك بوجهين أحدهما أنه قد اعتضد الفتوى حينئذ بالحكم وتقوى به فلا يجوز نقضه بمجرد الفتوى الثاني وأورد عليه في النهاية ومنية اللبيب بأن حكم الحاكم تابع لحكم الشيء في نفسه لا متبوع له إذ حكم الشيء عندنا لا يتغير من جهة حكم القاضي وعدمه ثانيهما أن جواز نقض الحكم بمجرد تغيير الاجتهاد مخالف للمصلحة التي تنصب القضاة لأجلها فإن المقصود إلى هنا جف قلم المصنف أعلى اللّه مقامه وقد فرغت من كتابة هذا الشرح الشريف والتعليق المنيف على معالم الأصول المسمى بهداية المسترشدين تصنيف العالم العامل الفاضل الكامل شمس المحققين أعلم العلماء العلامة النقي الأوحدي الشيخ محمد تقي في 1269 وأنا العبد العاصي كلب علي ابن العبّاس القزويني الأفشار قضى اللّه عن سيئاتهما