الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

475

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

واحد وهو ما ذكر من الفرق بين مسائل الأصول والفروع ويدفعه أنه لا فرق بين حجية ظن المتجزي في الفروع أو الأصول كيف والمسألة جارية فيما يجري فيه التكليف بالتقليد ومن البين ثبوته في مسائل أصول الفقه في الجملة مما يتوقف عليه عمل العوام إذ ما دل على الأخذ بالتقليد في الفروع دل عليه في الأصول أيضا كما سيفصل القول فيه في محله إن شاء الله وما ذكر من إمكان كونه مجتهدا مطلقا في الأصول فيخرج عن محل البحث مدفوع بأنه لا فائدة في فرض كونه مطلقا في استنباط الأصول إذ الكلام في المقام أن المتجزي في مسائل الفروع هل يعتد بظنه شرعا أو لا سواء تعلق ذلك الظن بالفروع أو الأصول وسواء كان مطلقا في الأصول أو لا بل يجري ذلك في سائر العلوم المرتبطة بالفروع ألا ترى أنه لو كان متجزيا في الفقه كان جواز استناده في لفظ الصعيد مثلا إلى ظنه مبنيا على هذه المسألة ولم يتجه القول بجواز استناده إلى ظنه مع عدم القول بحجية ظن المتجزي نظرا إلى كونه لغويا غير متجز بحسبه كيف ولو كان كذلك لجرى في المقلد إذا كان لغويا والظاهر أنهم لا يقولون به وبالجملة أن البلوغ إلى درجة الاجتهاد المطلق قاض بحجية ظنه في المسائل الفقهية وما يرتبط بها من مقدماتها للاستنباط سواء كانت أصولية أو لغوية أو غيرها ولا حجية في شيء من ذلك لظن المقلد في المسائل الشرعية وأما المتجزي فيها فالكلام المذكور جار فيه بعينه من غير فرق في ذلك بين كونه مطلقا في سائر العلوم أو متجزيا فيها أيضا وما ذكر من جريان الإيراد في المجتهد المطلق بين الفساد نظرا إلى قيام الإجماع على حجية ظنه وقد عرفت فساد المناقشة في ثبوت الإجماع ولو سلم فقضاء العقل به بعد انسداد سبيل العلم كاف في الحكم بحجيته ولا يجري ذلك في المتجزي كما عرفت نعم يمكن دفع الدور على التقرير المذكور باختلاف طرفيه نظرا إلى أن حكمه بحجية ظن المتجزي مطلقا غير حكمه بحجية الظن الحاصل للمستنبط المفروض في خصوص كل مسألة من المسائل الفقهية مما اجتهد فيها كيف ويقع الكلية المذكورة الكبرى في القياس الدال عليه فكيف يتحد معه ليلزم الدور حسبما ذكر في الإيراد ومنها أن يقال إن صحة اجتهاد المتجزي في المسائل الفقهية وجواز عمله به متوقفة على صحة اجتهاده في أن الاجتهاد يتجزى وصحة اجتهاده في تجزي الاجتهاد متوقفة على تجزي الاجتهاد وجواز عمله بظنه أعني صحة اجتهاده في المسائل الفقهية ضرورة أن صحة كل حكم يتوقف على وقوع المحكوم به بحسب الواقع ودفعه ظاهر لاختلاف معنى الصحة في المقامين فإن صحة الاجتهاد في المسائل بمعنى جواز عمله على وفق اجتهاده وإن لم يكن مطابقا للواقع وصحة الحكم المتوقف على وقوع المحكوم به بمعنى مطابقته للواقع وإن لم يتعلق التكليف على حسبه ومنها أنه قد تقرر أن شيئا من الظنون لا يكون حجة إلا بعد انتهائه إلى اليقين فلا يجوز الاعتماد على الظن من حيث إنه ظن فحينئذ نقول إن علم المتجزي بجواز عمله بظنه في مسألة التجزي وبالدليل الظني الدال على حجية ظن المتجزي يتوقف على علمه بقبول الاجتهاد للمتجزي أعني حجية كل ظن للمتجزي فالمفروض أن المسألة المفروضة من المسائل الظنية وعلمه بحجية كل ظن للمجتهد متوقف على علمه بجواز عمله بدليل الظني الدال عليه إذ المفروض توقف إثباته على ذلك وعدم قيام دليل قطعي عليه والحاصل أن علمه بحجية هذا الظن الحاصل متوقف على علمه بحجية كل ظن من ظنونه وعلمه بحجية كل ظن له يتوقف على علمه بحجية هذا الظن الخاص وإن شئت قلت إن علمه بقيام ظنه مقام العلم من المسائل ولا يمكن دفعه إلا بالقول بالفرق بين مسائل الأصول والفقه بأن يقال إن المختلف فيه هو حجية ظن المتجزي في المسائل الفقهية وأما المسائل الأصولية فلا كلام في حجية ظن المتجزي بالنسبة إليها ولذا وقع في كلام شيخنا البهائي حكاية الإجماع عليه وقد عرفت وهنه إذ لا فرق في مقام الحكم بالحجية وجواز العمل بين مسائل الفقه والأصول وغيرهما من المسائل المربوطة بالعمل وإن كان موضوع التجزي هو خصوص مسائل الفقهية نظرا إلى اختصاص الاجتهاد اصطلاحا بالمسائل الفرعية دون الأصولية إلا أنه لا فرق في البحث عن حجية ظن المتجزي فيها بين الظن المتعلق بها وبغيرها مما يرتبط بها حسبما أشرنا إليه ومنها أن علم المتجزي بجواز عمله بظنه في المسائل أن مسألة التجزي أيضا من جملة المسائل الظنية وعمله بجواز بنائه عليه موقوف على علمه بحجية الظن الحاصل له ويرد عليه أن علمه بحجية ظنه في المسائل هو عين علمه بقبول الاجتهاد للتجزي إذ مفاده هو حجية كل ظن حاصل للمتجزي في المسائل الفقهية ومقدماتها فلا يتجه لزوم الدور إذ هو فرع مغايرة الطرفين نعم هو من توقف الشيء على نفسه وهو كاف في المقام فإنه وإن لم يكن دورا في الاصطلاح إلا أنه نظيره في المفسدة بل هو أوضح فسادا منه في وجه وما قد يقال من أنه إن أريد بتوقف علمه بجواز عمله بظنه في المسائل على علمه بقبول الاجتهاد للتجزي أن علمه بجواز اجتهاده في المسائل الفقهية موقوف على علمه بصحة اجتهاده في تلك المسألة ليس اجتهادا في المسألة الفقهية ليتوقف على جواز التجزي في الاجتهاد وإنما هي مسألة أصولية ولا خلاف في جواز التجزي في الأصول على أنه قد يكون مجتهدا مطلقا فيه وإن كان متجزيا في الفروع إذ لا ملازمة بين الأمرين وإن أريد به أن علمه بجواز علمه له بظنه في المسائل أصولية كانت أو فروعية يتوقف على علمه بقبول الاجتهاد للتجزي فهو على إطلاقه فممنوع إذ لا توقف للعلم بحجية ظنه في المسائل الأصولية على صحة التجزي في المسائل الفقهية فمدفوع بما مر بيانه من عدم الفرق في الحكم بحجية ظن المتجزي في المسائل الفقهية والأصولية وغيرهما مما يتوقف عليه استنباط الأحكام الشرعية فمنع التوقف في المقام غير متجه وفرض كونه مطلقا في استنباط الأحكام الأصولية غير مفيد كما عرفت والذي يقتضي التحقيق في المقام أن يقال إن استنباط المتجزي أما أن يكون بالنسبة إلى المسائل القطعية أو الظنية وعلى الثاني فإما أن يتفق له القطع بالمسألة أو لا وعلى الثاني فإما أن يراد معرفة جواز التجزي في الاجتهاد وعدمه في نفسه ولو كان الحاكم به مجتهدا مطلقا على نحو غيرها من المسائل أو يراد معرفة الحكم بالنسبة إلى معرفة تكليف المتجزي نفسه في جواز بنائه على ما يستنبطه في المسائل إذا ذهب إلى جواز التجزي وحجية ظن المتجزي وعلى كل حال فإما أن يراد معرفة حاله في جواز رجوعه إلى ظنه أو جواز رجوع غيره إليه في الفتيا وإمضاء حكوماته في القضاء فنقول لا ينبغي التأمل ظاهرا في حجية ما يحصله من الأدلة بالنسبة إليه في الصورتين الأولين إذ لا مزيد على القطع في معرفة التكاليف فبعد حصول القطع بالحكم لا مجال للتأمل في حجيته ولو حصل له القطع بكونه مؤدى الأدلة الموجودة وأن من خالفه فيه مخطئ قطعا كما قامت عليه الأدلة الشرعية فيما يمكن الوصول إليه ففي جواز اتكاله عليه وجهان من عدم حصول القطع بالواقع