الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
471
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
إنما يجب في حكم العقل الإتيان بما يحصل العلم بحصول البراءة في حكم المكلف حسبما قرره في معرفة أداء ما كلف به حكما وموضوعا سواء حصل معه العلم بمطابقته للواقع أو لا فلا يجب على المكلف مراعاة ما يزيد عليه بعد العلم بما جعله طريقا إلى الواقع إلا أن يجعل الطريق إليه خصوص العلم به فالقدر المعتبر في الحكم بالبراءة والامتثال هو ما يعلم معه بتفريغ الذمة في حكم الشرع وهو أعم مطلقا من العلم بأداء المكلف به بحسب الواقع فيحصل الأول مع تعين المكلف لمراعاة الثاني بخلاف العكس ولذا لم يقرر المكلف طريقا إلى الواقع أو قررها ولم يصل إلينا وكان سبيل العلم بالواقع مفتوحا تعين مراعاة ذلك لعدم العلم بحصول البراءة والخروج عن عهدة التكليف إلا به بل جاز مراعاته مع العلم بالطريق المقرر أيضا إذا لم يكن هناك مانع آخر وحينئذ نقول إذا انسد سبيل العلم بما جعله المكلف طريقا إلى معرفة ما كلف به وانسد أيضا سبيل العلم بالواقع مع القطع ببقاء التكليف تعين تحصيل الظن بما هو مكلف به في ظاهر الشريعة ومراعاة ما يظن كونه طريقا إلى تفريغ الذمة في حكم المكلف لقيام الظن بذلك مقام العلم به في حكم العقل حسبما مرت الإشارة إليه ولا يصح الاكتفاء حينئذ بمجرد ما يظن معه بأداء الواقع إذ لا ملازمة بينه وبين الأول وليس ذلك أخص مطلقا من مراعاة ما يظن معه بتفريغ الذمة كما أن العلم به أخص مطلقا من العلم بذلك حسبما مر بل النسبة بينهما عموم من وجه لظهور أنه قد يحصل بتفريغ الذمة في حكم الشرع مع عدم حصول الظن بأداء الواقع وقد يكون بالعكس فيما إذا شك في كون ذلك مناطا في حكم الشرع أو ظن خلافه والمعتبر في المقام بمقتضى حكم العقل كما عرفت هو الأول وحينئذ فلا يتم الاحتجاج إذ مجرد ظن المتجزي بالحكم مع الشك في كونه مكلفا شرعا بالعمل بظنه أو رجوعه إلى ظن المجتهد المطلق لا يكفي في الحكم بحجية ظنه والاكتفاء به في الشريعة أمكن الاستناد إلى الوجه المذكور وهو غير مأخوذ فيما ذكر من البيان رابعها أن الاحتجاج المذكور إنما يتم إذا قام دليل قطعي على عدم وجوب الاحتياط على مثله إذ مع احتمال وجوب الاحتياط عليه يتعين ذلك بالنسبة إليه إذ هو أيضا نحو من العمل بالعلم إذ المقصود في المقام تحصيل اليقين بالفراغ الحاصل بذلك وهو ممنوع بل الظاهر خلافه إذ أقصى ما يستفاد مما دل على عدم وجوبه هو هدم في أصل الشريعة وعدم وجوبه على المجتهد المطلق ومن يقلده وأما عدم وجوبه في الصورة المفروضة فلا كما هو الحال بالنسبة إلى غير البالغ درجة الاجتهاد وإذا تعذر عليه الرجوع إلى المجتهد فإن القول بوجوب الاحتياط حينئذ إذ أمكن من تحصيله هو الموافق لظاهر القواعد بل لا يبعد البناء عليه وحينئذ فلا يصح الحكم بانتقاله إلى الظن بعد انسداد باب العلم والعلم ببقاء التكليف فإن قلت إنما يتم ما ذكر فيما يمكن فيه الاحتياط وأما فيما لا يمكن مراعاته فلا يتم ذلك وحينئذ يتمكن إقامة الدليل بالنسبة إليه فيتم إثبات المدعى حينئذ بعدم القول بالفصل قلت انعقاد الإجماع على عدم القول بالفصل غير معلوم غاية الأمر عدم قائل به في الكتب المفروضة ومجرد ذلك لا يعد إجماعا سيما في المقام فغاية الأمر حينئذ هو جواز الاعتماد على ظنه في بعض الفروض النادرة مما لا يمكن فيه مراعاة الحائط بشيء من وجوهها لمكان الضرورة وأين ذلك من المدعى الثالث إطلاق ما دل على المنع من التقليد والأخذ بقول الغير من العقل والنقل غاية الأمر جوازه في شأن غير القادر على الاستنباط لمكان الضرورة وقيام الإجماع عليه فيبقى غيره مندرجا تحت أدلة المنع ويمكن الإيراد عليه بوجوه أحدها أن العمل بالظن على خلاف الأصل أيضا خرج عنه ظن المجتهد المطلق لقضاء الاضطرار به وقيام الإجماع عليه فيبقى غيره مندرجا تحت قاعدة المنع وأجيب عنه بأن رجوعه إلى الظن مما لا كلام فيه إذ بعد انسداد باب العلم لا يجوز للمتجزي البناء على ترك العمل فلا بد له من الرجوع إلى الظن الحاصل من الاجتهاد أو الحاصل من التقليد فلا يكون منهيا عن اتباع الظن على الإطلاق بخلاف التقليد ورد ذلك بأنه ضعيف في الغاية إذ غاية ما يحصل للمتجزي العلم بكونه مكلفا بالعمل بغير العلم وأما أنه التقليد أو الاجتهاد فغير معلوم عنده إذ لا دليل على التعيين فعلى هذا يجب عليه العمل بأحد الأمرين دون الآخر من دون علم بالتعيين فهو حينئذ من باب اشتباه الحرام بالحلال كالزوجة المشتبهة فيجب الاجتناب عنهما ولو لم يكن هناك بد من الإقدام على أحدهما تخير وأين هو من لزوم الرجوع إلى الاجتهاد كما هو المدعى ويمكن دفعه بأن مقصود المجيب أن هناك عمومات قاضية بالمنع عن العمل بالظن وأدلة قاضية بالمنع من خصوص الظن الحاصل من التقليد فتلك العمومات مخصوصة قطعا إذ لا مناص له من الأخذ بأحد الظنين بخلاف ما دل على المنع من خصوص التقليد إذ لا دليل على الخروج من مقتضاه حينئذ بعد تعين الرجوع إلى الظن لا بد من الأخذ بالظن الحاصل من غير التقليد للأدلة الدالة على المنع من التقليد من غير باعث للخروج عنها نعم يمكن الإيراد عليه بأن الرجوع إلى التقليد ليس أخذا بالظن حتى يكون بين ما دل على المنع من الرجوع إلى الظن وما دل على المنع من الأخذ بالتقليد عموم مطلق ليكون عدم المناص من الرجوع إلى أحد الظنين موجبا للخروج عن مقتضى تلك الأدلة دون هذه بل هو نوع آخر من الأخذ بغير العلم قد دل الدليل على المنع منه فبعد عدم المناص من الأخذ بأحد الوجهين يدور الأمر بين تخصيص كل من الدليلين ولا دليل على الترجيح فيجب تركهما أو يتخير في البناء ولا يمكن دفعه تارة بأن الترجيح حينئذ في تخصيص ما دل على المنع من العمل بالظن إذ بعد كون السبيل إلى الواقع أولا هو العلم بكون الأقرب إليه هو الظن فبعد دوران الأمر بين الرجوع إلى الأقرب إليه أو الأبعد من غير قيام دليل على التعيين يتعين الأخذ بالأقرب وفيه أنه إنما يتم إذا جعلنا الواجب أولا هو الأخذ بالعلم بالواقع وأما إذا قلنا بوجوب الأخذ بما يعلم معه بتفريغ الذمة من حكم الشرع سواء حصل معه العلم بالواقع أو لا كما هو الأظهر ومر تفصيل القول فيه ولا يتم ذلك إذ لو ظن بكونه مكلفا شرعا بالرجوع إلى التقليد لزم اتباعه ومع الشك في كونه مكلفا بالأخذ بالظن أو التقليد لا يصح له الحكم بوجوب الرجوع إلى شيء منهما لتساويهما بالنسبة إلى الحكم بتفريغ الذمة في حكم الشرع كما هو قضية الشك فأقصى الأمر مع المناص في الأخذ بأحد الوجهين أن يحكم بالتخيير ومجرد اقتضاء أحد الوجهين ظنا بالواقع لا يقضي بحصول الظن بالبراءة في حكم الشرع إذ لا ملازمة بين الأمرين حسبما مر بيانه نعم لو قام دليل ظني على كونه مكلفا بالاجتهاد صح الأخذ به وليس في الاحتجاج المذكور ما يفيده وتارة بأن التقليد أيضا اتكال على الظن وإن لم يوجب حصول الظن للمقلد نظرا إلى حكمه