الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
469
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
على عدم وجوب الاجتهاد على الأعيان بل على سبيل الكفاية قضى ذلك بعدم وجوب تحصيل المرتبة المذكورة إلا على بعض المكلفين فيرجع الباقون إلى ظنه والأخذ بمقتضى اجتهاده فإن قلت إن قضية حكم العقل وجوب تحصيل العلم بالأحكام بالنسبة إلى آحاد الأنام وبعد انسداد باب العلم يرجع إلى الظن بالنسبة إلى كل واحد منهم لاشتراك الجميع في التكليف غاية الأمر قيام الدليل من الإجماع والضرورة على جواز الرجوع إلى التقليد لغير البالغ إلى درجة التجزي ولا المتجزي فلا دلالة في الإجماع والضرورة على جوازه بالتقليد ولا دليل قاطع سواء على خروجه عن الاستقبال المعلوم بمجرد التقليد ومجرد دوران الأمر في شأنه بين الوجهين لا يقضي بتجويز الأمرين بالنسبة إليه والتخيير بين المسلكين بل الذي يقتضيه العقل عند دوران أمره بين الرجوع إلى ظنه والأخذ بتقليد غيره مما يكون الظنون عنده خلافه هو الأخذ بظنه فإن بناءه على التقليد حينئذ أخذ بالوهم وتنزل من الظن إلى ما دونه من غير قيام دليل عليه وهو خلاف ما يقتضيه حكم العقل هذا إذا اجتهد في تلك المسألة وحصل له الظن بخلافه وأما لو كان ذلك قبل اجتهاده فلا أقل من احتمال أن يكون المظنون عنده خلاف ذلك بعد اجتهاده فيه وهو أيضا كاف في المقام قلت بعد ما تقرر بملاحظة ما بيناه أن الاجتهاد الواجب هو استفراغ الوسع في معرفة الحكم بعد تحصيل المرتبة المفروضة من الملكة كان ذلك هو الواجب على سبيل الكفاية فدوران الأمر في المكلف بين أن يكون مجتهدا أو مقلدا عالما أو متعلما يقضي بوجوب التقليد على كل من لم يبلغ تلك الدرجة نظرا إلى عدم انتهاء ظنه إلى العلم فلا يندرج في العالم إذ مجرد الظن الغير المنتهي إلى اليقين لا يعد علما فيندرج فيما يقابله أعني الجهل ووظيفته الرجوع إلى العالم فليس المقصود بالأخذ المذكور إثبات وجوب التقليد عليه ابتداء حتى يقال إنه عند دوران الحكم في شأنه بين الأمرين لا وجه لترجيح التقليد على الأخذ بظنه مع اشتراكها في مخالفة الأصل بل ينبغي ترجيح الأخذ بالظن نظرا إلى ما ذكروا إنما المراد أن الملحوظ في المقام اندراجه في موضوع الجاهل ليتعين عليه الرجوع إلى العالم أو من قام الدليل القاطع على قيام ظنه مقام العلم فصار المحصل أن رجوع الجاهل أمر معلوم وإنما الكلام في المقام في اندراج المتجزي في موضوع الجاهل وبعد ملاحظة الوجه المذكور تبين اندراجه فيه إذ قد عرفت أن قضية العقل حينئذ هو حجية الظن في الجملة على سبيل القضية المهملة وقضية ترجيح ظن المطلق من جهة القوة انصراف المهملة إليه فيبقى ظن غيره مجهولا فلا يكون الظان المذكور عالما بما هو الحكم في شأنه فلا محالة يندرج في الجاهل وما ذكر من أن الظن أقرب إلى العلم فيتعين عليه الأخذ به حتى يقوم الدليل على الاكتفاء بغيره إنما يفيد في المقام إذا ثبت كونه من أهل الاستنباط إذ بعد وجوب الاستنباط عليه لا وجه لترك الأقوى والأخذ بالأضعف من دون قيام الدليل عليه وأما إذا دار أمره بين الأمرين في شأنه فذلك مما تحقق اندراجه في الجاهل ومجرد أقربية الظن إلى العلم لا يثمر في حقه شيئا ألا ترى أنه لو كان سبيل العلم بالأحكام مفتوحا كان الأمر أيضا دائرا بين العلم بالأحكام وبين أخذها عن العالم فلا يصح أن يقال إن شأن غير العالم ممن له الاقتدار على تحصيل الظن أن يأخذ بظنه دون أن يقلد العالم لكون الظن أقرب إلى العلم بالنظر إلى التقليد بل الواجب في شأنه هو التقليد حيث إنه أحد الوجهين المذكورين من العلم أو التعلم ومنه يظهر الحال في المقام فإنه إذا كانت تلك المرتبة من الظن نظرا إلى الوجه المذكور قائمة مقام العلم لكون الواجب في شأن كل من المكلفين إما تحصيل تلك المرتبة أو الرجوع إلى من يكون مستنبطا للحكم على الوجه المذكور فمع عدم حصول الأول للمتجزي يتعين عليه الأخذ بالثاني وأيضا لو تعين على كل من المكلفين تحصيل العلم بالأحكام عن مداركها كان انسداد باب العلم قاضيا بالتنزيل إلى الظن بالنسبة إلى كل واحد منهم وأما إذا قلنا بعدم تعين ذلك على كل واحد منهم وكان القدر اللازم قيام جماعة بتحصيل العلم بالأحكام بحيث يكتفي بهم في تعليم الباقين ليرجعوا إليهم في أخذ تلك الأحكام لم يقض انسداد باب العلم إلا بالرجوع إلى الظن الأقوى مع انفتاح سبيله ولو بالنسبة إلى البعض المذكورين دون ما دونه من المراتب وإن لم يتمكن الكل من الأخذ بذلك الأقوى فإن تمكن من يقوم به الكفاية كاف في ذلك وكان وظيفة الباقين الرجوع فإن قلت إن الواجبات الكفائية تتعلق بكل واحد من الأعيان وإن كان تعلقه على سبيل الكفاية وتعلق الوجوب بكل واحد منهم في الجملة كان فيما نحن بصدده من الانتقال إلى الظن بالنسبة إلى من يتمكن منه بعد انسداد سبيل العلم قلت إن جميع المكلفين في تحصيل العلم بالأحكام بمنزلة شخص واحد فإذا تمكن من تحصيله من يقوم به الكفاية لم ينتقل الأمر إلى الاكتفاء بالظن وكذا لو تمكنوا من الظن الأقوى على الوجه المذكور ولم ينتقل الحال في الباقين على ما دونه لحصول التمكن من الأقوى بالنسبة إلى الكل فإن الملحوظ بالتكليف الكفائي حال الكلي دون كل واحد من الآحاد ثانيهما أنه إنما يتم ما ذكر من الدليل لو تم لم يقم الإجماع على حجية الظن المطلق وأما بعد قيام الإجماع على حجية ظنه فلا وجه للحكم بحجية الظن الحاصل لغيره فإن قضية انسداد باب العلم وبقاء التكليف هو الرجوع إلى الظن في الجملة والقدر الثابت هو الظن الخاص لقيام الإجماع عليه فالباقي يندرج تحت ما دل على المنع من الأخذ بالظن نعم إن لم يثبت هناك مرجح بين الظنون من حيث المدرك كما أنه لا مرجح بينها من حيث المدرك على ادعاء القائل بأصالة حجية الظن لزم الحكم بتساوي الكل من الجهة المذكورة أيضا لانتفاء المرجح أيضا وليس كذلك لما عرفت من كون الإجماع على حجية الظن المطلق مرجحا في المقام وما قد يقال من منع انعقاد الإجماع على حجية ظن المطلق لا ينفع في المقام نظرا إلى وقوع الخلاف في طرق الاستنباط من الأخذ بطريقة الاجتهاد أو الأخبار أو الطريقة الوسطى حيث ذهب إلى كل من تلك الطرق الثلاثة جماعة وفي هؤلاء من يمنع الرجوع إلى غيره فلا إجماع على الأخذ بظن خاص عنها ليكون دليلا قاطعا في المقام وكون الرجوع إلى المطلق في الجملة في مقابلة المتجزي مقطوعا لا يكفي في المقام بعد دوران الأمر فيه بين الوجوه المذكورة وانحصار الأمر في الرجوع إلى واحد منهم فلا مناص إذن من الرجوع إلى الظن ويتم الاستدلال مدفوع بأن قيام الإجماع على حجية الظن المطلق مما لا مجال للناقل عنه وجعل دوران الأمر بين أحد الطرق