الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

455

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

كما إذا لم يخطر بباله أو قام عنده دليل شرعي على عدم اعتباره دون ما إذا حصل اليقين بالتكليف وشك في حصول المكلف به بما يؤديه سيما مع علمه بحصوله في الفرد الآخر المستجمع للجزء أو الشرط المشكوكين بل علمه بحصوله في الفرد المذكور دون غيره مما يعين الإتيان به فليس كذلك مندرجا في الجهالة المسقطة للتكليف ولا أقل من الشك في اندراجه في الأخبار وهو كاف في المقام ولو سلم شمول إطلاقها لذلك فهو معارض بما دل على عدم نقض اليقين بالشك ولزوم تحصيل اليقين بالفراغ مع أن سائر الأجزاء والشرائط إنما ثبتت أو نفيت بالأدلة الظنية الغير البالغة حد اليقين فأي فائدة في مراعاة اليقين في جزء أو شرط مخصوص مع انتفائه في سائر الأحوال والشرائط وكيف يعقل تحصيل اليقين من جهة الإتيان بالجزء أو الشرط المشكوك مع أنه لا يقين في سائر الشرائط والأجزاء إذ قد عرفت أن المطلوب من اليقين في المقام ما قام عليه الدليل المعتبر المنتهي إلى اليقين لا ما حصل اليقين بكونه عين المكلف به بحسب الواقع لوضوح عدم اعتباره في الشرعيات لا حكما ولا موضوعا والمفروض أن سائر الأجزاء والشرائط مما ثبت بالدليل المعتبر بخلاف ما هو محل الكلام فاعتبار اليقين الواقعي فيه على فرضه ليس لتحصيل اليقين بأداء المكلف به كذلك لنحو المذكور بل المقصود منه تحصيل فرد يقوم الدليل الشرعي على الاكتفاء به إذ المفروض عدم قيام دليل شرعي على كون الفائدة لذلك الجزء أو الشرط من أفراد ذلك الواجب حتى يقال بصدقه عليه والقول بأن الأصل المذكور من الأدلة على نفيه مدفوع بأن ذلك أول الكلام وقد عرفت عدم نهوض شيء من الأدلة عليه كيف ولو سلم قيام دليل شرعي على اعتباره في المقام ولم يعقل معه القول بوجوب الاحتياط كما لا يخفى وأما الخامس فبأن المكلف به في المقام هو ما استعمل فيه اللفظ ومدلوله وهو من هذا الاعتبار ليس من الأحكام الشرعية بل هو من الأمور العادية الجارية على نحو المخاطبات العرفية سواء قلت بثبوت الحقيقة الشرعية أو لا وسنقرر أن الأصل العدم من حيث هو لا يتفرع عليه ثبوت الأحكام الغير الشرعية مما يحصل موضوعا للأحكام الشرعية ونقول أيضا إن الماهيات المفروضة أمور جعلية توقيفية ومثل ذلك لا مدخل لأصل العدم فيه كيف ولو كان كذلك لجاز إثبات بساطة الموضوع له بالأصل لو دار الوضع بين كونه للبسيط أو للمركب منه ومن غيره وكذا بساطة اللفظ الموضوع لو دار بين كون اللفظ الموضوع بسيطا أو مركبا كما إذا شك في كون اللفظ الموضوع بإزاء شخص لفظ عبد أو عبد الله فيحكم بالأول بمقتضى الأصل ومن البين أن الاستناد إليه في ذلك يشبه الهذيان في وضوح البطلان ثم مع الغض عن ذلك كله فأصل العدم على فرض حجيته في سائر المقامات فإنما ينهض حجة فيما يدور الأمر بين وجود الشيء وعدمه سواء تعلق الشك بوجود شيء استقلالا أو مع أمور آخر وليس المقام من ذلك فإن المفروض دوران المطلوب بين شيئين لا قطع بتعلق التكليف بأحدهما من التكليف بالآخر كما قدمنا القول فيه فهو نظير ما إذا دار التكليف بين مكلفين مركبين مختلفين وكان أحدهما أقل جزء من الآخر فإن عاقلا لا يتخيل هناك من وقع الأول بالأصل مع أنه لا فرق بينه وبين ما نحن فيه سوى اشتمال الأكثر في المقام على الأقل ولا ثمرة يترتب عليه لما عرفت من عدم اقتضاء التكليف بالأكثر للتكليف بالأقل إلا في ضمنه لا مطلقا فيترتب المكلف به بين شيئين لا يقطع بتعلق التكليف بأحدهما على كل من التقديرين كما هو الحال في الفرض المذكور وأما السادس فبأن المرجع في الأصل المذكور إلى أصالة البراءة أو أصل العدم وقد عرفت الحال فيها وأما السابع فبأنه لا يحكم بالمقام بكون المشكوك جزء أو شرطا بحسب الواقع فيكون الحكم به من غير دليل وإنما يحكم بوجوب الإتيان في الظاهر وليس المستند فيه مجرد الاحتمال كما توهم بل تحصيل اليقين بالفراغ بعد اليقين بالاشتغال الواجب مراعاته في المقام حسبما عرفت من قيام الأدلة عليه كيف ولا تأمل في رجحان الاحتياط في المقام إن لم نقل بوجوبه وذلك أيضا حكم من الأحكام الشرعية والمنشأ قيام الاحتمال المذكور وأما الثامن فبأنه لو صح ذلك وكان الأوامر المتوجهة إلى المكلفين متعلقة في الواقع بما قام الدليل عند المكلف لزم القول بالتصويب لاختلاف المكلفين في ذلك وتفاوت الأفهام في تعريف الأحكام وهو مخالف لإجماع الشيعة ودعوى فهم العرف في ذلك ممنوعة بل فاسدة إذ ليس ما استعمل فيه اللفظ عندهم إلا ما أراده المتكلم بحسب الواقع على مقتضى قانون الاستعمال فإن أخطأ أحد في الفهم أو لم يصل إليه شيء لم يلزم منه عدم تعلق التكليف به بحسب الواقع غاية الأمر أن يكون ذلك عذرا له في الترك فغاية ما في المقام فهم العرف كون العلم طريقا إلى الواقع في تعيين ما تعلق التكليف به في الفروض المذكورة ونحوها فيكون التكليف الظاهري منوطا بالعلم فلو تم ذلك لزم القول بوجوب مراعاة الاحتياط في المقام وكان ذلك حجة فما اخترناه أن المفروض من المعلوم اندراجه في المأمور به وحينئذ هو ما كان جامعا لجميع الأجزاء والشرائط المشكوكة والحاصل أنه يكون الأمر بالصلاة بحسب أنه أمر بما علم أنه صلاة لا علم إلا بالإتيان به على النحو المذكور وأين ذلك من الاقتصار على القدر المعلوم اعتباره في الصلاة وجواز الاقتصار على القدر المعلوم في الأمثلة المذكورة إنما هو لكون التكليف بكل منها مستقلا فينحل الأمر المذكور إلى أوامر يحصل الامتثال في كل منها بحسبه من غير ارتباط بينها في الامتثال ولذا يكتفى بالقدر المعلوم من غير حاجة إلى مراعاة الاحتياط حسبما مر تفصيل القول فيه وأما التاسع فبأن غاية ما يفهمه أهل العرف في المقام هي المعاني الإجمالية وأما التفصيل وتعيين الأجزاء والشرائط بالخصوص فيرجع فيه أهل العرف إلى الفقهاء وحملة الشرع فإن قلت أيّ فرق بين هذه الألفاظ وغيرها بحيث يصح الرجوع في تعيين ما في سائر الألفاظ إلى العرف ولا يصح في المقام قلت إنما يرجع إلى العرف في تعيين المفهوم الذي وضع اللفظ بإزائه دون تعيين مصاديقه بل لا بد هناك من مراعاة العلم باندراجه في مسمى اللفظ سواء حصل ذلك من الرجوع إلى العرف أو الحسن أو العقل فاللازم عن الدليل المذكور صحة الرجوع إلى العرف في معرفة مسمى الألفاظ المذكورة في الجملة وهو كذلك ولذا رجعوا في كونها موضوعة بإزاء الصحيحة أو الأعم منها إلى العرف وأما تميز أجزاء المعنى وشرائطه على التفصيل فليس