الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
453
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
فما ينصرف إلى أذهانهم من الأجزاء والشرائط هو المعنى الشرعي الموضوع بإزائه على الأول أو المراد منه بعد قيام القرينة الصارفة على الثاني فإذا شك في جزئية شيء أو شرطيته يرجع فيه إلى عرف المتشرعة كما هو القاعدة في معرفة سائر الأوضاع الخاصة والعامة الثالث أن البيان حاصل عما تلقيناه من حملة الشريعة ورواة الأحكام الشرعية بعد بذل وسعهم ووسعنا فيه فإن العادة قاضية في ذلك بعد البحث والتفتيش على الأدلة بالعثور على الحقيقة كيف ولو كان هناك شيء آخر غير ما ثبت وظهر من الأجزاء والشرائط لبيّنه النبي والأئمة صلوات الله عليهم إذ ليس بعث الأنبياء ونصب الأوصياء إلا لتعليم الأحكام وإرشاد الأنام وليس ذلك حاصلا بمجرد إلقاء المحتملات وحكم الناس بالرجوع إلى الاحتياط فإن ذلك معلوم من ملاحظة حال السلف ولو ورد هناك شيء من النبي صلى اللَّه عليه وآله والأئمة لذكره الحملة وأشاروا إليه وبينوا الأدلة القائمة عليه مع ما هو معلوم من حرصهم على بيان الأحكام وبذل وسعهم في إرشاد الأنام فلو كان هناك بيان من الشرع لما يفضي إلى الخفاء ولا اتضح كمال الوضوح والجلاء لما فيه من عموم البلوى فلا عبرة إذن بما قد يطرد من الاحتمالات وما قد يتخيل هنا من الإشكالات كيف والأمر في تعرف معاني الألفاظ موكول إلى الظن كما هو معلوم من الطريقة الجارية في تعريف الحقيقة اللغوية والعرفية وحمل الألفاظ على معانيها الظاهرة ومن البين حصول الظن بعد ملاحظة ما قررنا في معظم العبادات فإنها تعم بها البلية ويعم الحكم فيها معظم الأمة كما ذكرنا الرابع أن الألفاظ الدالة على العبادات المفروضة أسام للأعم من الصحيحة والفاسدة كما قرر في محله فبعد تحصيل المعيار في التسمية ينفي غيره بالأصل حتى يقوم دليل على اعتباره ولا ريب أن الواجبات الإجماعية وما قام عليها الأدلة الشرعية من الأجزاء والشروط المرعية كافية في حصول التسمية فيمكن إجراء الأصل في جميع ما تعلق الشك به الخامس أن التكاليف الشرعية من بدو الشريعة ما كانت موضوعة إلا على حسب البيان ألا ترى أنهم لو كلفوا بالصّلاة وبين لهم النبي صلى اللَّه عليه وآله بعدة من أجزائه وشرائطه من غير تصريح منه بالحصر في المذكور وقام هناك احتمال أن يكون جزء آخر أو شرط آخر وحضر وقت الحاجة ما كانوا ليحكموا بوجوب الاحتياط بل كان منفيا بحكم الأصل إذ لو كان هناك جزء أو شرط آخر لبيّنه الشرع وإذ لا بيان فلا تكليف لوضوح أن وضع الشريعة وبعث الرسل والحجج إلى الخليقة ليس إلا لبيان التكاليف الشرعية وإتمام الحجة على الرعية ولم يجعل البناء على الاحتياط من وجوه البيان ليترك النبي بيان الواجبات وتخييل الناس إلى الاحتياط كما هو واضح من ملاحظة الطريقة الجارية عند الصحابة وحيث عرفت أن بناء الشرع كون التكليف مبنيا على البيان دون البناء على الاحتياط تجري الحكم بالنسبة إلى سائر الأمصار والأعصار لاتحاد المناط في الكل بل عليه جرت الطريقة في الجميع قال بعض القائلين بإجراء الأصل في المقام ليت شعري كيف كان في مبادي التكليف ولا سيما بالنسبة إلى النائين أوليس إنما كان يرد عليهم شيئا فشيئا أمروا بركعتين فكان التكليف بها ثم أمروا بآخرين فكان بأربع وهكذا لا يعرفون إلا ما يرد عليهم وإن أجازوا أن يكون قد أوحي إليه صلى اللَّه عليه وآله شيء آخر أو ورد أمر ولم تأتهم بها الرسل أتراك توجب عليهم الإتيان بكل ما أوحاه وتوهموه لما قيل لهم أولا أقيموا الصلاة إن هذا إلا لهو التشريع انتهى فهذه جملة ما يتخيل من الوجوه لإجراء الأصل في ماهية العبادة وهي بضميمة الوجوه المتقدمة إلى هذه ترتقي إلى اثني عشر وجها ولا يذهب عليك وهن الجميع أما الأول فبأن حجية أصالة البراءة ليست مبنية على الظن فضلا على البناء على أصالة الحجية فيه بل الغالب في موارد الاحتجاج به عدم حصول الظن منها ولو فرض حصول ظن هاهنا في بعض المقامات فذلك من المقارنات الاتفاقية لم يقم دليل على حجيته ولذا لا يكون قابلا لمعارضة شيء من الأدلة ولو كانت حجيتها من جهة الظن كانت كباقي الأدلة يراعى في الترجيح بينها جانب القوة مع أنها ليست كذلك والحاصل أن أصالة البراءة قاعدة مستفادة من العقل والنقل كما مر القول فيه في نفي الحكم والحكم ببراءة الذمة مع عدم قيام شيء من الأدلة على ثبوت التكاليف الشرعية فعلى القول باعتبار الظنون المخصوصة إنما تنهض حجة مع عدم حصول شيء من تلك الظنون على ثبوت التكليف ومع البناء على أصالة حجية الظن إنما يصح الاستناد إليها مع انتفاء مطلق الظن بثبوت الحكم فهي نافية للحكم إلا فيما دل الدليل فيه على الثبوت وليست حجيتها مبنية على الظن بالنفي كما عرفت في وجوه الاحتجاج عليها ويدل عليه ملاحظة إجرائها في سائر مواردها فهي قاعدة في مقابلة قاعدة الظن فيما إذا لم يقم هناك دليل ظني على النقل مطلقا على القول بأصالة حجية الظن أو ظن مخصوص على القول الآخر وإنما لم يجروا عليه أولا من جهة لزوم الخروج عن الدين حسبما قرر في الاحتجاج على أصالة الظن إذا عرفت ذلك ظهر ضعف الاحتجاج المذكور لظهور فساد ابتنائه على أصالة حجية الظن وإذا بطل كون المناط في حجية الأصل المذكور لم يصح الحكم بالحجية في المقام من جهة جريان المناط المذكور فيه بل الأمر به بالعكس إذ بعد فرض اشتغال الذمة بالمجمل ينبغي استصحاب ذلك الشغل حسبما مر نعم على القول بأصالة حجية الظن لو فرض حصول ظن من الأصل المذكور في المقام أمكن القول بحجيته ويراعى فيه حينئذ قوة الظن الحاصل منه بالنسبة إلى ما عرفت من الاستصحاب فإن رجحت عليه صح الاستناد إليه وهو كما ترى وجه جديد لم يعلم ذهاب أحد إليه بل ظاهرهم الإطباق على خلافه ثم ما ذكر في دفع ما أورد عليه بانقطاع أصالة البراءة بحصول اليقين بالاشتغال فيستصحب الشغل حتى نعلم بالفراغ مع النقض بسائر التكاليف المتعلقة إذا شكت فيها نظرا إلى حصول العلم إجمالا بثبوت حكم خاص بالنسبة إلى خصوص كل مقام واشتغال الذمة بتحصيل صفة تلك الأحكام بين الاندفاع لوضوح الفرق بين المقامين مع ما في الكلام المذكور من الإبهام فإنه لو أريد به اشتغال الذمة بمعرفة كل حكم حكم وتعلق التكليف بالعلم بها ولا يحصل بمجرد الأصل المذكور فهو بين الفساد إذ لسنا مكلفين في معرفة الأحكام بما دلت عليه الأدلة ونهضت عليه الشواهد الشرعية ومع عدمها يبنى على الاحتياط وأصالة البراءة حسبما ظهر من حكم العقل والشرع به وكيف يعقل تكليفنا بتحصيل حقائق الأحكام الواقعية مع انسداد الطريق