الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

44

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

على الانصراف إليه ليكون ذلك قرينة صارفة عن الحقيقة معينة للمجاز أو قرينة على الحمل على أحد أقسام المشترك المعنوي وعدم حمله على غيره أو الحمل على أحد معنى المشترك اللفظي دون الآخر أو باعثا على التوقف وعدم انصراف اللفظ إلى الحقيقة فلا يمكن الاستناد إلى ما قلناه في شيء من ذلك مع ظهور ما ذكر أو احتماله احتمالا مساويا والاستناد إلى أصل العدم في نفي ذلك كله مع عدم إفادته ظنا بمؤداه قد عرفت وهنه سيما في المقام سابعها انتفاء المناسبة المصحّحة للتجوز بين مستعملات اللفظ فإنه شاهد على تعلق الوضع بالجميع وكذا لو كانت المناسبة الحاصلة أمرا بعيدا يبعد اعتبارها في الاستعمالات الشائعة وحينئذ فيعتبر في حصول الظن بالوضع غالبا لشيوع استعماله فيه وهذه الطريقة قد يفيد القطع بالوضع وقد يفيد الظن به ولو احتمل أن يكون هناك معنى ثالث يناسبها جرى فيه الكلام المقدم فيندفع إذن احتمال وضعه له بما مر والظاهر تقديم الاشتراك على الاحتمال المذكور إذ تعلق الوضع بما لم يوجد استعماله فيه في غاية البعد وهذا كله ظاهر في معاني الأسماء التامّة والمعاني والحد فيه للأفعال وأما الأسماء الناقصة والحروف ومفاد هيئات الأفعال فالأخذ بالطريقة المذكورة فيها موقوف على عدم القول لحصول الترخيص هناك في استعمالها في غير ما وضعت له مع انتفاء المناسبة حسبما مر القول فيه وأما مع القول به واحتماله احتمالا مساويا لحصول الوضع أو مرجوحا بالنسبة إليه كما هو الحال في الترخيص على الوجه الآخر كما عرفت فلا يصحّ التعويل على الوجه المذكور لدوران الأمر في المقام على الظن كما عرفت الإشارة إليه منها استعمال اللفظ في معنى مجازي بملاحظة معنى مخصوص من مستعملات اللفظ فإنه يدل على كونه حقيقة في ذلك المعنى لعدم جواز سبك المجاز من المجاز إذ يعتبر في المجاز وجود العلاقة المصحّحة بينه وبين معناه الموضوع له ويدل على كون المعنى مجازيا أن يلاحظ في استعمالاته حصول العلاقة بينه وبين غيره مما علم وضع اللفظ له إذ لا حاجة إلى الملاحظة المذكورة في الحقائق وما قد يتخيل من جواز استعمال المشترك في أحد معنييه من جهة علاقته لمعناه الآخر وحينئذ فإقصاء أن يكون ذلك الاستعمال مجازا ولا يقضي ذلك بعدم تعلق الوضع به مدفوع ببعد الاعتبار المذكور بعد تحقق الوضع فلا ينافي ظهور المطلوب في المقام فلو كان استعمال اللفظ في أحد معنييه بملاحظة العلاقة بينه وبين الآخر دل ذلك على كونه حقيقة في ذلك مجازا فيه تاسعها أصل العدم ويثبت به مبدأ الوضع فيما إذا ثبت الوضع عندنا في الجملة وكذا يثبت بقاء الوضع عند الشك فيه وتصحيح ذلك أنّا إذا علمنا ثبوت معنى اللفظ في العرف نحكم لذلك ثبوته له في أصل اللغة أيضا نظرا إلى أصالة عدم النقل وعدم تعدد الأوضاع لهذا مع علمنا ثبوت تلك اللفظة في أصل اللّغة وأما مع الجهل بذلك واحتمال كونه من الموضوعات الجديدة فلا وكذا إذا علمنا بكون اللفظ حقيقة بحسب اللغة في معنى حكمنا ثبوته في العرف جريا على الأمر الثابت وأخذا بأصالة عدم النقل ولو علمنا بطرو وضع آخر عليه حكمنا بتأخيره سواء قضي بهجر الأول أو لا ومنه يعلم أن إثبات المعنى العرفي بحسب اللغة إنما هو مع عدم ثبوت الوضع فيها لمعنى آخر وإلا بني على أصالة تأخر الحادث فلا يحكم باشتراكه بين المعنيين في اللغة بمجرّد ذلك بل يحكم حينئذ بتأخر ذلك المعنى إلى حين ثبوت الوضع له سواء قضي بهجر الأول أو لا ولو علم بحصول الهجر وشك في مبدئه على تأخر الهجر سواء علم بوضعه لذلك المعنى قبل تحقق الهجر أو لا إلا أنه مع الجهل بذلك يحكم بتأخر الوضع أيضا ولو ثبت للفظ معنيان بحسب العرف من ثبوت وضعه لخصوص أحدهما بحسب اللغة فهل يثبت أن له معاني وضع اللغة أيضا وجهان وقضية الأصل عدم ثبوت وضعه لغة إلا لأحدهما غير أن الظاهر مع عدم ظهور أمارات حدوث الوضع لأحدهما بثبوت الوضع بحسب اللغة كما هو الشأن في معرفة المشتركات اللغوية أو طريقة استعلام نقلة اللغة غالبا ملاحظة استعمالات العرفية المتداولة في كلام العرب هذا وقد يستشكل في المقام بأن الأوضاع أمور توفيقية لا يمكن إثباتها إلا من جهة التوقيف فلا وجه لا ثباتها بالأصل والاستصحاب فلا بد مع الجهل بالحال من التوقف في المقام ولو سلم جواز الرجوع إليها فغاية الأمر الاستناد إليها في نفي الوضع وأما إثباته كما هو ديدنهم في كثير من مباحث الألفاظ فليس على ما ينبغي ويدفعه على أن الحجة من الأصل والاستصحاب في المقام هو ما أفاد الظن بالوضع ومعه فالوجه في الحجّة ظاهر لبناء الأمر على مباحث الأحكام على الظنون لانسداد طريق العلم فيها غالبا وأما مع عدم حصول الظن فلا معوّل عليهما في إثبات الوضع في الأزمنة المتقدّمة أو المتأخرة إذ لا دليل على الرجوع إليها في المقام على سبيل التعبد ومن هنا يظهر القدح في الاحتجاج المعروف لنفي الحقيقة الشرعيّة من الاستناد إلى أصالة بقاء المعاني اللغوية في عهد الشارع إذ لا أقل من الشك في بقائها بعد اشتهار الخلاف في ثبوت الحقيقة الشرعيّة وقيام بعض الشواهد على خلافه كما لا يخفى بعد الرجوع إلى الوجدان عاشرها التبادر وهو سبق المعنى إلى الذهن من نفس اللفظ وإنما اعتبرنا أن يكون السبق إلى الذهن من مجرّد اللّفظ احترازا عما يكون بواسطة الخارج إمّا من القرائن الخاصّة أو العامّة أو مع انضمامه إليه مع الشّك في استناد الفهم إلى نفس اللفظ إذ لا يكون ذلك أمارة على الحقيقة والوجه في كونه التبادر على الوجه للمذكور أمارة على الحقيقة أن فهم المعنى من اللفظ إمّا أن يكون بتوسّط الوضع أو القرينة لانحصار وجه الدّلالة فيهما لوضوح بطلان القول بالدلالة الذاتية فإذا كان انفهام المعنى من اللفظ بمجرد سماعه من دون انضمام قرينة إليه دل على حصول الوضع له من قبيل الدلالة اللازم المساوي على وجود ملزومه وهذا بخلاف ما لو انضم إليه شيء من القرائن لاحتمال استناد الفهم حينئذ إليها فلا يدل على خصوص الحقيقة لحصول مطلق الفهم في المجاز أيضا فهو لازم أعم لا دلالة فيه على خصوص الملزوم ومن هنا يظهر أنه لو احتمل وجود القرينة في المقام واستناده الفهم إليها احتمالا مساويا واحتمال عدمها لم يحكم بالحقيقة على نحو ما لو وجدت القرينة ولم يعلم استناد الفهم إليها وإلى اللفظ ومجرّد دفع احتمال وجود القرينة بالأصل غير مفيد في المقام إذ المدار إثبات الأوضاع على الظنون نعم إن حصل منه أو من غيره ظن فابتغاء القرينة فالظاهر البناء عليه كما لو ظن باستناد الفهم إلى مجرّد اللفظ وإن انضم إليه بعض القرائن وقد أورد عليه بوجوه أحدهما أن سبق المعنى إلى الذهن