الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

448

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

خلافه وأما إذا كان ثبوته لجهة خاصة كما في المقام إذ لم يكن ثبوته إلا لمجرد الحرج والضيق لدورانه بين غير المحصور أو ما هو بمنزلته كما هو المفروض فإنما يدور ثبوت الأصل المذكور مدار حصوله فلا يمكن الحكم بثبوت الأصل المذكور مع زوال الحرج بل لا بد إذن من ملاحظة العقل في تلك الحال وقد عرفت أن قضية العقل حينئذ مراعاة الاحتياط لقيام احتمال الضرر الباعث على الخوف وهذا وإن جرى في الصورة المتقدمة إلا أن اشتماله هناك على الضيق والحرج قد قضى بعد لزومه القاضي بزوال الخوف وما قد يقال من أن التكليف فرع العلم وأن من المقرر في الأذهان أن لا تكليف إلا بعد البيان مدفوع بأنه إن أريد به انتفاء التكليف بالشيء بعد بيان كونه مأمورا به بحسب الواقع فهو ممنوع ودعوى استقلال العقل به بينة الفساد كيف ومن الواضح إيجاب العقل للاجتناب من المشتبهات وإن أريد به أن التكليف فرع العلم بلزوم الإقدام أو الأولوية من باب الاحتياط فمسلم والمفروض أن المقام من ترك الأصل فالمسلم من بطلان التكليف قبل البيان ما إذا كان المكلف غافلا بالمرة أو متفطنا غير عالم بلزوم الإقدام أو المنع عنه في الظاهر ولو من باب الاحتياط ودفع الضرر المخوف سواء تعلق بعدم وجوب الإقدام في الواقع لقيام بعض الشبه القاضية بعد بذل وسعه لو لم يعلم وجوب الإقدام في الظاهر كما إذا لم يكن المقام مقام الخوف لسقوط الاحتمال في نظر العقل كما في بعض الفروض وإن قارن وجوده في الواقع وأما مجرد الجهل بالحكم الواقعي فغير مانع من التكليف كما هو ظاهر مما قررنا فيحصل مما ذكرنا ضعف الحكم بكون البراءة عقليا بعد ورود الشرع أيضا على سبيل الإطلاق بل هي عقلية في بعض الوجوه وشرعيته في بعضها حسبما مر هذا ثم إن ما ذكرنا من البناء على أصالة البراءة ظاهر فيما إذا تعلق الشك بنفس التكليف وأما إذا تعلق بخصوصية المكلف به فلا وجه لجريان أصل المذكور فيه على كل الوجوه وتفصيل الكلام أن ما تعلق التكليف به قد لا يتعلق عند المجتهد فيكون دائرا بين أمرين أو أمور عديدة يتعذر عليه تعيينه بعد بذل وسعه وقد يتعين المكلف عنده إلا أنه يتعذر عليه تفسيره ويتعين حقيقته وعلى كل منهما فإما أن يندرج أحد الوجهين والوجوه في الباقي أو لا ثم مع تكثر الوجوه إما أن ينحصر الاحتمالات بحيث يمكن اليقين بالامتثال بالجميع أو لا وتوضيح الحال فيها أنه إذا دار التكليف بين أمرين غير متداخلين أو أمور مختلفة كذلك مع إمكان الإتيان بالجميع ففي ذلك يلزم الإتيان بها أجمع لاقتضاء اليقين بالشغل اليقين بالفراغ ولا يحصل بدون التكرار والإتيان بجميع المحتملات واحتمال سقوط التكليف بمجرد ذلك مع كونه خلاف الأصل مما لا وجه لإمكان تفريغ الذمة بما قلناه ومع القول ببقاء التكليف لا وجه للترجيح مع انتفاء المرجح ولا التخيير فيتعين تخيير الجمع المحصل لليقين بالفراغ وكذا الحال إذا تعين المتعلق لكن طرأ الإجمال ودار بين الأمرين أو أمور لذلك وإذا لم يتمكن من تحصيل اليقين بالفراغ لعدم انحصار الوجوه المحتملة فيما يتعلق به التكليف فالظاهر سقوط التكليف به لعدم إمكان الإتيان بالجميع والاقتصار على البعض به غير مفيد فهو بمنزلة الجهل بأصل التكليف إذ لا فائدة من معرفته كذلك لانتفاء طريق للمكلف إلى معرفة الواجب فالمكلف به من قبيل التكليف بغير المقدور والإتيان بما يحتمل لا يوجب تفريغ الذمة من أصالة البراءة هنا قاضية بسقوط التكليف عنه وإن علم بحصوله في الجملة وكذا الحال في التكليف بالمجمل إذا دار بين أمور كثيرة حسبما ذكرنا وأما إذا دار التكليف بين الأمرين أو أمور متداخلة فهل يؤخذ بالأقل وينفي الباقي بالأصل أو لا بد من الإتيان بسائر ما يحتمل جزئيته أو شرطيته إن لم يكن هناك احتمال المانعية وإلا كرر العمل مع إمكان تحصيل العلم به وجهان وتحقيق الكلام فيها أن الفعل إما أن يكون بعض أجزائه منوطا بالباقي بحيث لو نقص شيء منها كان الفعل كعدمه ولم يحصل الامتثال بالباقي أيضا أو لا يكون كذلك بل يحصل الامتثال على قدر ما يأتي منه غاية الأمر عدم حصول الامتثال بالباقي إذا فرض ثبوت التكليف بالزائد فالكلام هنا في مقامين الأول فيما إذا لم يكن الصحة منوطا بالاجتماع الظاهر جريان الأصل هنا في نفي الزائد سواء كان التكليف من أصله دائرا بين الوجهين أو الوجوه أو تعلق بكلي معلوم على سبيل الإجمال مساوق على جميع مراتبه قد شك فيما اشتغلت الذمة عنه كما إذا علم التكليف بأداء الدين ودار بين الأقل والأكثر مع صدق اسم الدين على القليل والكثير أو تعلق بمجمل ودار ذلك المجمل بين الزائد والناقص إما للشك في وضعه للأقل أو الأكثر أو لقيام الإجمال في تلك الواقعة كما إذا تلف مالا لزيد تكلف بأداء القيمة وهي دائرة بين الأقل والأكثر مع عدم الاشتراك بينهما في الاسم والوجه في ذلك أن القدر المتيقن من التكليف في الوجوه المذكورة هو اشتغال الذمة بالأقل والزيادة غير معلومة فينفي بالأصل والحاصل أنه يدور الأمر في الزائد بين البراءة والشغل فيرجح جانب البراءة على مقتضى الأصل المذكور فإن قلت إنه مع العلم بحصول التكليف ودورانه بين الوجهين يدور التكليف بين أمرين وجوديين ولا اقتضاء للأصل في تعلقه بشيء منهما ألا ترى أنه لو دار التكليف بين نوعين وكان أحدهما أقل جزء من الآخر لم يصح الاشتغال به عملا بالأصل قلت ليس المقصود في المقام اقتضاء الأصل تعلق التكليف بالأقل لوضوح استواء نسبتهما إلى الأصل بل الغرض أن التكليف بالأكثر قاض باشتغال الذمة بالأقل من غير عكس فالاشتغال بالأقل ثابت على الوجهين معلوم على التقديرين بخلاف الأكثر فينفي الأصل ويحكم ببراءة الذمة عنه شرعا فيرجع الأمر إلى وجوب الأقل خاصة في ظاهر الشرع وبما قررنا يندفع ما قد يقال فيما إذا تعلق التكليف بالمجمل بأن متعلق التكليف هناك إنما هو مؤدى اللفظ ومدلوله بحسب الوضع مثلا ومن البين عدم جريان الأصل في تعلق الوضع بالأقل فكيف يحكم بأنه الواجب والحاصل أن الحكم بكون الواجب هو الأقل متلازم مع الحكم بالوضع له إذ المفروض القطع بكون المكلف به هو موضوع اللفظ لا غيره فإذا لم يثبت ذلك بالأصل لم يثبت الآخر أيضا لما عرفت من أن الحكم بوجوب الأقل يكون من جهة الحكم بكونه المراد من اللفظ وقد يكون من جهة أنه المتيقن أو الأولية مع الشك في إرادة الزائد عنه وما لا يجري فيه الأصل هو الأول وهو متلازم مع الوضع في المقام وأما الثاني فلا دلالة فيه على ما هو المراد من اللفظ بحسب الواقع وإنما يستفاد ما هو التكليف في