الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
42
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
في الجملة وقد حكى الإجماع عليه جماعة من الأجلة منهم العلامة في النهاية وقد يستفاد من كلام السيد في الذريعة أيضا كما سيأتي الإشارة إليه ويدل عليه بعد ذلك جريان طريقة أئمة اللغة ونقلة المعاني اللغوية على ذلك فعن ابن عباس الاستناد في معنى الفاطر إلى مجرد الاستعمال وكذا عن الأصمعي في معنى الدهاق وكذا الحال فيمن عداهم فإنهم لا زالوا يستشهدون في إثباتها إلى مجرد الاستعمالات الواردة في الأشعار وكلمات العرب ويثبتون المعاني اللغوية بذلك ولا زالوا ذلك وينالهم من قدمائهم إلى متأخريهم كما لا يخفى على من له أدنى خبرة بطريقتهم وأن ظاهر الاستعمال قاض بإرادة الموضوع له بعد تعينه والثاني في إرادته بغير خلاف فيه كما مرت الإشارة إليه وذلك قاض بجريان الظهور المذكور في المقام إذ لا فرق في ذلك بين العلم بالموضوع له والجهل بما وضع لاتحاد المناط في المقامين وهو استظهار أن يراد من اللفظ ما وضع بإزائه من غير أن يتعدى في اللفظ عن مقتضى وضعه إلا أن يقوم عليه مضافا إلى ما في المجاز من كثرة المؤن لتوقفه على الوضع والعلاقة والقرينة الصارفة والمعينة بل ويتوقف على الحقيقة على ما هو الغالب وأن لا يستلزمه على التحقيق فإن قلت إن مجرد وجدان اللفظ مستعملا في معنى كيف يدل على كونه حقيقة فيه مع احتمال كونه مستعملا في معاني عديدة غير المعنى المفروض ومجرد أصالة العدم لا يفيد ظنا به وليس الأمر في المقام مبنيا على التعبد ليؤاخذ فيه بمجرد الأصل قلت فيه بعد ما عرفت من الوجه في ظهور الاستعمال في الحقيقة القاضي بكون المستعمل فيه معنى حقيقيا حتى يتبين أن هناك معنى آخر استعمل اللفظ فيه أنه ليس المراد هو الحكم بالحقيقة بمجرد ما يرى في بادي الرأي من استعمال اللفظ في معنى مخصوص من دون خبرة بسائر استعماله بل المقصود وهو الحكم بها بعد ملاحظة استعمالاته المعروفة وانحصار الأمر فيما يحتمل الوضع له من مستعملاته لو فرض استعماله في غيره أيضا في المعنى المفروض لبعد وجود معنى آخر غيره يكون اللفظ موضوعا بإزائه مما لا يوجد في الاستعمالات المعروفة ولا يكون له عين ولا أثر في الإطلاقات المتداولة وبذلك يظهر وجه آخر في الحكم بكونه هو الموضوع له نظرا إلى دوران الحكم في إثبات الأوضاع مدار الظن وحصول الظن بكونه هو الحقيقة ظاهر مما ذكرنا إذا لم يقم شيء من الشواهد على كونه مجازا فيه كما هو المفروض وقد ظهر مما قررنا وجه آخر في قولهم إن الاستعمال أعم من الحقيقة بأن يكون المراد به أن مجرد الاستعمال من دون ملاحظة كونه في معنى واحد أعم من الحقيقة فتأمل الثاني في بيان الأصل مما يتعدد فيه المعنى مع قيام احتمال كونه حقيقة في الجميع أو فيما يزيد على المعنى الواحد والمشهور حينئذ كما عرفت عدم دلالة مجرد الاستعمال على كونه حقيقة فيها وهو الأظهر إذ القدر الثابت حينئذ هو تحقق الوضع لواحد منها فقضية الأصل حينئذ عدم تحقق الوضع بالنسبة إلى ما عداه مضافا إلى أغلبية المجاز بالنسبة الاشتراك وكونه أقل مؤنة منه وذهاب الجمهور إلى ترجيحه عليه فيغلب في الظن البناء عليه فإن قلت أي فرق بين متعدد المعنى ومتحده في استظهار الحمل على الحقيقة مع أن عدة الوجوه المذكورة لرجحان الحمل على الحقيقة في متحد المعنى جاز في متعددة أيضا فإن استظهار استعمال اللفظ فيما وضع له وعدم خروج المستعملة عن مقتضى الوضع إلا أن يقوم دليل عليه مما لا يفرق فيه بين متحد المعنى ومتعددة وكذا كثرة المؤن وقلتها جاز في المقام لعدم احتياج المشترك إلا إلى وضع وقرينة بخلاف المجاز لاحتياجه إلى وضع وعلاقة وملاحظة للعلاقة المجوزة للاستعمال وقرينة صارفة وقرينة معينة وكذا الحال في جريان الطريقة على إثبات الأوضاع بالاستعمالات فإنهم يستندون إليها في إثبات المعاني المتعددة على نحو غيرهما من غير فرق بين المقامين قلت جريان الوجوه المذكورة في متعدد المعنى محال ممنوع إذ استظهار كون المستعمل فيه مما وضع اللفظ له مع تعدد ما استعمله اللفظ فيه غير ظاهر بل الاستعمال كما عرفت أعم من الحقيقة وإنما يسلم ذلك مع اتحاد المستعملة فيه كما مر وظهور الاستعمال في إرادة الموضوع له مع العلم بالموضوع له والجهل بالمراد واحدا كان الموضوع له أو متعددا لا يقضي بظهوره فيها مع الجهل بالموضوع له واحدا كان المستعمل فيه أو متعددا إذ لا مانع من مرجوحية الاشتراك بالنسبة إلى المجاز في نفسه ورجحان إرادة أحد المعاني المشتركة بالنسبة إلى المعنى المجازي بعد تحقق الاشتراك فإن ثبوت الوضع المتعدد إذا كان مرجوحا في نفسه لا ينافي رجحان إرادة الموضوع له بعد ثبوت ما يخالف الظاهر من التعدد ولذا اتفقوا على رجحان الأخير مع أن المشهور مرجوحية الأول ولا يجري ذلك في متحد المعنى ضرورة لزوم تحقق وضع ذلك اللفظ لمعنى في الجملة نظرا إلى توقف كل من الحقيقة والمجاز عليه فيستظهر إذن من الاستعمال فيه كون ذلك هو الموضوع فتعين الموضوع له بالاستعمال بعد العلم به إجمالا غير إثبات الموضوع له مع عدم العلم بتعدد الوضع لا إجمالا ولا تفصيلا كما هو المفروض في المقام فيكون ظاهر الاستعمال هناك شاهدا على تعيين الموضوع له بعد تحقق حصول الوضع وأين ذلك من إثبات أصل الوضع به مع قضاء الأصل وعدمه ودعوى ظهور خروج المستعمل عن مقتضى الوضع لو سلم حصوله فليس بمثابة يمكن أن يخالف الأصل من جهته ويحكم بحدوث حادث جديد لأجله مع ما في الاشتراك من مخالفة الظاهر لوجوه شتى نعم لو علمنا تعدد الموضوع له إجمالا في خصوص بعض الألفاظ وجدانه مستعمل في معنيين لا غير أمكن إثبات تعلق الوضع بهما واشتراكه بينهما نظرا إلى ما ذكرنا ونثبت بذلك وضعه لهما وليس في كلام الجماعة ما ينافي ذلك فهو الموافق لما ذكرنا دون ما هو المفروض في محل البحث ثم إن دعوى قلة المؤن في الاشتراك ممنوع بل الظاهر العكس لافتقاره إلى وضع ثان وملاحظة له حال الاستعمال قرينتين بالنظر إلى استعماله في كل من المعنيين بخلاف المجاز إذ لا يفتقر إلا إلى ملاحظة العلاقة المسوغة للاستعمال وقرينة مفهمة له إذ الغالب اتحاد القرينة الصارفة والمعينة وأما الوضع الترخيصي والعلاقة فالمفروض حصولهما على كل حال مضافا إلى ما في الاشتراك عن الإخلال بالتفاهم الذي هو الحكمة في الوضع بخلاف المجاز وما ذكر من استناد أهل اللغة في إثبات تعدد الأوضاع إلى مجرد الاستعمالات الواردة عن العرب غير ظاهر وما يتراءى من استنادهم