الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
425
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الفعل وكونه مطلوبا على وجه الندب قلت لا نقول بصراحة الأخبار المذكورة في استحباب الإتيان بما ورد الثواب فيه حتى يزاحم ما دل على وجوب ذلك الفعل فلا يصح إجراؤها في جميع الصور المذكورة بل نقول إنه لا دلالة فيه على وجوب الإتيان بذلك الفعل الذي ورد الثواب فيه بوجه من الوجوه إذ مفادها ترتب الثواب على الفعل لا العقاب على الترك فإن ثبت وجوب ذلك الفعل من الخارج فلا كلام إذ لا دلالة في هذه الأخبار على خلافه غاية الأمر أنه حكم بترتب الثواب الخاص عليه إذا أتي به رجاء ذلك وإن لم يثبت كان قضية الأخبار المذكورة وحينئذ استحبابه حسبما يفيده سياقها نظرا إلى إفادتها كون تلك الجهة مرجحة للفعل ترجيحا غير مانع من النقيض فلا تزاحم ما دل على ثبوت جهة أخرى مانعة من النقيض إلا أنها مع عدم ثبوتها يتعين الندب بمقتضى تلك الأخبار مضافا إلى قضاء الأصل أيضا حينئذ بالندب لعدم دلالة تلك الأخبار على الوجوب أصلا كما عرفت وعدم نهوض دليل آخر على الوجوب ومن غريب الكلام ما اتفق لصاحب الحدائق في المقام حيث إنه حكى الإيراد المذكور عن بعض الفضلاء والجواب المتقدم عن بعض مشايخه ثم أورد على المجيب بأن مراد المورد كما هو ظاهر سياق كلامه أنه لو اقتضى ترتب الثواب الوارد في هذه الأخبار طلب الشارع لذلك الفعل لكان الواجب عليهم الاستناد إلى هذه الأخبار في وجوب ما تضمن الخبر الضعيف وجوبه كما جروا عليه بالنسبة إلى ما تضمن الخبر الضعيف استحبابه مع أنهم لم يجروا هذا الكلام في الواجب وحاصل الكلام الإلزام لهم بأنه لا يخلو إما أن يقولوا إن ترتب الثواب في هذه الأخبار يقتضي الطلب والأمر بالفعل أم لا فعلى الأول يلزمهم ذلك في جانب الوجوب كما التزموه في جانب الاستحباب مع أنهم لا يلتزمونه وعلى الثاني لا بد من دليل آخر يقتضي ذلك ويدل عليه انتهى عبارته وأنت خبير بوهن ما ذكره وعدم ترتب فائدة على تقرير الإيراد على النحو الذي قرره إذ نقول إن ترتب الثواب الوارد في هذه الأخبار يقتضي رجحان الإتيان بذلك الفعل وهذا كما ذكرنا إنما يفيد استحباب ذلك الفعل لا وجوبه حتى يلزمهم الالتزام بالوجوب فيما دل عليه بل قضية ذلك استحباب ما دل الخبر الضعيف على وجوبه أيضا نعم لو دلت هذه الأخبار على وجوب الحكم بمقتضى الخبر الوارد في الثواب قد يتجه ما ذكره لكن ليس فيهما إيماء بذلك أصلا وهو واضح فإن قلت إن مفاد الأخبار المذكورة يعم ما إذا كان البلوغ بطريق معتبر وغير معتبر ولا يختص بالأخير حتى يقال باستحباب ما دل على وجوبه فلو كان البلوغ على الوجه المعتبر كان ما دل على وجوبه واجبا وما دل على ندبه مندوبا قطعا فإذا فرض اعتبار البلوغ الغير المعتبر نظرا إلى اعتبار الأخبار المذكورة فينبغي أن لا يختلف الحال في الصورتين فكيف يقال بالتفكيك بين الأمرين قلت ثبوت الوجوب والاستحباب في الصورة الأولى أنما هو من جهة اعتبار الدليل الدال عليه ولا ربط له بمؤدى هذه الأخبار فإن مقتضاها ثبوت الرجحان لمجرد البلوغ مع قطع النظر عن كونه بالطريق المعتبر فهذا الوجه إنما يفيد رجحان الإتيان بالفعل من الجهة المذكورة مطلقا أو رجحانا غير مانع من النقيض وذلك لا ينافي حصول الرجحان المانع من جهة أخرى فحصل ما يستفاد من الأخبار المذكورة إذ مجرد بلوغ الخبر إليه قاض برجحان ذلك الفعل على أحد الوجهين المذكورين من غير أن يستفاد منها وجوب ذلك الفعل بوجه من الوجوه فإن دل دليل شرعي على الوجوب فذاك وإلا فليس المستفاد من تلك الأخبار إلا الندب وما قد يقال من أن مقتضى الروايات المذكورة ترتب الثواب الواجب مما روي وجوبه وثواب المندوب فيما إذا روي ندبه فكما يقال بدلالة الحكم بترتب ثواب المندوب فيما روي ندبه فكذا ينبغي القول بدليليته بالنسبة إلى ما روي وجوبه فاسد إذ الفرق بين الواجب والمندوب أنما هو في ترتب العقاب على الترك لا في مقدار الثواب إذ قد يكون الثواب المترتب على المندوب أكثر من الواجب حسبما قيل في ثواب الابتداء بالسلام ثواب رده على أنه لا مانع من القول بالتزام ترتب ثواب الواجب في المقام من باب التفصيل نظرا إلى الجهة المذكورة وإن قلنا بنقصان ثواب المندوب من الواجب في أصله سادسها أن الآية الشريفة الدالة على رد خبر الفاسق أخص من هذه الأخبار لدلالتها على رد خبر الفاسق سواء كان ممّا تعلق بالسنن أو غيرها وهذه الروايات قد اشتملت على ترتب الثواب المذكور على العمل سواء كان المخبر به عادلا أو فاسقا ولا ريب أن الأول أخص من الثاني فيجب حمل تلك الأخبار على غير تلك الصورة حملا للمطلق على المقيد كما هو مقتضى القاعدة كذا قيل وفيه أن المعارضة بينهما من قبيل العموم من وجه لوضوح عدم دلالة هذه الأخبار على قبول الخبر مطلقا ليكون ما دل على رد خبر الفاسق مقيدا بهما بل إنما دل به على قبول الخبر في ترتب الثواب على العمل من دون دلالة على ما يزيد على ذلك أصلا وحينئذ نقول إن قضية هذه الأخبار قبول مطلق الخبر المشتمل على ترتب الثواب على العمل أو غير ذلك ومن الواضح أن النسبة بينهما من قبيل العموم من وجه ومن العجب احتراز صاحب الحدائق رحمه الله في المقام على كون التعارض بينهما من قبيل العموم المطلق مع أنه في غاية الوضوح من الفساد قال رحمه الله في بيان ذلك أن الأخبار دلت على ترتب الثواب على العمل الوارد بطريق عن المعصوم عليه السلام سواء كان المخبر عدلا أم لا طابق خبره الواقع أم لا من الواجبات كان أم من المستحبات إذ مورد الآية خبر الفاسق تعلق بالسنن أو غيرها ولا ريب أن هذا العموم أخصّ من ذلك العموم مطلقا لا من وجه وضعفه ظاهر بما عرفت كيف ولو تعلق خبر الفاسق بترتب عقاب على عمل وغير ذلك من الأمور التي لا يقتضي ترتب الثواب على العمل كان مندرجا في الآية قطعا ولا إشعار في هذه الأخبار بقوله فكيف يعقل القول بكون المعارضة بينهما من قبيل العموم المطلوب فإن قلت تسليم كون المعارضة بينهما من قبيل العموم من وجه كاف في سقوط الاحتجاج المذكور إذ لا بد إذن من الرجوع إلى المرجحات الخارجية ولا ريب أن الأصل ومقطوعية المتن رجحان للعمل بالآية الشريفة سيما بملاحظة ما ورد من عرض الأخبار على الكتاب قلت دلالة الأخبار المذكورة أوضح وأبين في جواز العمل بخبر الفاسق في ذلك من دلالة الآية على المنع سيما بملاحظة ما حكم فيها من جريان الحكم ولو على فرض كذب الخبر فيقدم على إطلاق الآية وأجيب عنه أيضا بأن مفاد الآية الشريفة عدم جواز العمل بقول الفاسق من دون تثبت والعمل فيما نحن فيه ليس كذلك لورود تلك المعتبرة بجواز العمل بها فيكون ذلك تثبتا في خبر الفاسق