الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

421

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وإنما يعرف مذهبهم فيها من عدم ذكرهم لها في عداد الأدلة وعدم استنادهم إليها أصلا في إثبات الأحكام الشرعية في الكتب الاستدلالية بل حصر جماعة منهم الأدلة في غيره وإنما تصدى الشهيد رحمه الله لعنوان المسألة وتبعهم المصنف وبعض من تأخر عنهم ولم يتعرض المصنف للاحتجاج على نفي حجيته وإنما تعرض للإبراز على ما احتج به الشهيد رحمه الله لحجيته فدعوى العلم لمستند الحجام في حصره فيما ذكره غريب جدا ولو سلم ذكر الدليل المذكور في كلام جماعة منهم فمن أين يعلم أو يظن حصول الدليل في ذلك كيف ولو بني على عدم حجية مثل هذه الشهرة القوية القريبة من الإجماع لو قطعنا النظر عن كون المسألة إجماعيا بمجرد ضعف ما ذكر من التعليلات في كلام بعض المتأخرين أو المعاصرين لكان أكثر الشهرات ضعيفة مطرودة ولكان ذلك إذن تفصيل آخر في المسألة غير التفصيل الأول ويظهر ضعفه بما قررناه فلا حاجة إلى تطويل الكلام فيه قوله ولقوة الظن في جانب الشهرة إلى آخره أورد عليه بأن من بين تعليله تدافعا فإن الوجه الأول يقتضي العلم والثاني صريح في الظن وأجيب عنه بأن كون أحد الدليلين مفيدا للعلم والآخر للظن مما لا وجه فيه ولا يعد ذلك تدافعا ومثله متداول في الاحتجاجات كيف ولو كان كذلك لكان ضم المؤيد إلى الدليل تدافعا وهو واضح الفساد وأيضا كون دليله الأول مقتضيا للعلم على حسب دعواه ممنوع فإن الظاهر أن مراده من قوله إن عدالتهم تمنع عن الاقتحام إلى آخره فهو منعها عن ذلك ظنا إذ المفروض ثبوت العدالة لهم دون العصمة والعدالة وإن فسرت بمعنى الملكة فأقصى ما يحصل منه الظن بذلك دون العلم وقوله عن الاقتحام على الفتوى بغير علم أراد به بغير علم معتبر في الاجتهاد من الاستناد إلى دليل معتبر شرعا سواء كان قطعيا أو ظنيا بالنسبة إليه ومع ذلك كله كيف يمكن ادعاء أن عدالتهم يمنع قطعا عن الفتوى بذلك من غير دليل قطعي بالنسبة إليه وإلى غيرهم وبذلك يندفع ما أورده المصنف عليه كما مرت الإشارة إليه ويتطابق مفاد الدليلين بل دليله الثاني يفيد ظنا أقوى من الأول حيث إن المستفاد من الأول مجرد الظن ومن الثاني قوة الظن نظرا إلى أن اتفاق الجمع الكثير من الموصوفين أقوى في إفادة الظن عن دونهم فلو عد مثل ذلك تدافعا كان تقرير الإيراد بالعكس أولى قلت ليس مقصود المورد اختلاف مؤدّى الدليلين في كون أحدهما مفيدا للعلم والآخر للظن إذ ليس في ذلك مجال لتوهم التدافع بل مراده أن قضية دليله الأول كونه مدعيا لحصول العلم في المقام وكون الشهرة دليلا قطعيا حيث إن ظاهره القطع بكون عدالتهم مانعة من الإفتاء من غير علم فيكون مفيدا للقطع بقول المعصوم كاشفا عن رأيه ولذا اختاره بناء على ما ذكره من حصول القطع بحجيته وكونه إذن إجماعا على خلاف ما اختاره الشهيد رحمه الله فإن الإجماع عندنا هو الاتفاق الكاشف عن قول المعصوم سواء كان من الجميع أو البعض وقضية دليله الثاني كون الشهرة دليلا ظنيا مفيدا للظن القوي فمقصوده أن مقتضى الدليلين متدافع في إفادة ما هو المدعى والقول بأن حكم الجماعة مع قطع النظر عن الشهرة إذا كان مفيدا للقطع نظرا إلى كون عدالتهم مانعة عن الإفتاء بغير علم فكيف يحصل اشتهاره بينهم وندور المخالف قاضيا بإفادة الظن مع أنه ينبغي أن يفيد للعلم بالأولى مدفوع بأن هناك جهتين أحدهما يفيد العلم بالإضافة والآخر يفيد الظن بها وأن ملاحظة خبرتهم وعدالتهم قاضية بالعلم العادي على حسب دعواه لعدم إقدامهم على الإفتاء من غير علم وملاحظة مجرد الاشتهار مع قطع النظر عن تلك الملاحظة لا يفيد إلا قوة الظن فيكون ضم الثاني إلى الأول من قبيل ضم المؤيد إلى الدليل لكنك خبير بضعف الدعوى الأولى فإن أقصى ما يفيد عدالتهم القطع بإصابة ما يعتقدونه دليلا حسبما أشار إليه المصنف وأين ذلك من القطع بالواقع غاية الأمر حصول ذلك في بعض الأحيان ويندرج حينئذ عندنا في الإجماع كما عرفت ويبعد إدراجه إذن في المشهور ويمكن أن يقال إن مقصوده القطع بإصابة المدرك المعتبر دون القطع بقول المعصوم فيكون الفرق بينه وبين الإجماع المعروف في ذلك وهذا أقرب من سابقه في حمل كلام الشهيد رحمه الله إلا أن الدعوى المذكور غير ظاهرة أيضا بل الظاهر عدم حصول العلم المذكور في كثير من المشهورات غاية الأمر حصول العلم بإصابة المدرك المعتبر في نظرهم نعم لو حصل العلم به على الوجه المذكور كان كافيا وكان الأولى إلحاقه إذن بالمجمع عليه في كونه إجماعا كما هو أحد الاحتمالين المذكورين في الذكرى وإن اختار خلافه وحينئذ فما ذكره المورد قدس سره من أن الحق حينئذ أنه إجماع لأن الإجماع عندنا هو الاتفاق الكاشف عن قول المعصوم دون اتفاق الجميع محل مناقشة للفرق الظاهر بين الكشفين وظاهر المصطلح تخصيص الإجماع بالكشف على الوجه الأول وإن لم يكن التعميم بعيدا عن الاعتبار ولذا ذكر في الوجه المذكور في وجوه الكشف الحاصل بالإجماع كما مر القول فيه والظاهر أن مبنى كلام المورد على حمل الكشف على الوجه الأول حسبما بيناه أولا وحينئذ فما ذكره متجه إلا أن حمل كلام الشهيد رحمة الله عليه بعيد جدا كما عرفت فظهر بما قررنا أن هناك وجوها ثلاثة في حمل كلام الشهيد رحمه الله أقربها الوجه الأخير ومعه يظهر الفرق بين تعليليه المذكورين وعلى ما حمله المجيب وغيره عليه لا يكون هناك كثير فرق بينهما كما لا يخفى قوله ويضعف بنحو ما ذكرناه في الفتوى الظاهر أنه إن أراد بذلك تضعيف الدليلين المذكورين نظرا إلى أن العدالة والاشتهار بين الطائفة إنما يفيد أن العلم أو قوة الظن بوجود مدرك معتبر في اجتهاد الحاكم ولا يؤمن من الخطاء في المسائل الاجتهادية وإن توافقت فيها آراء الجماعة أو معظم الفرقة غاية الأمر حصول المظنة ولا أمن معه إلا مع قيام دليل على اعتبار ذلك الظن في الشريعة ولا دليل عليه في المقام وحينئذ مما قد يدعى من ظهور كلامه في موافقة الشهيد رحمه الله ليس على ما ينبغي كيف وقد أطلق الحكم بضعف كلامه وقوله وبأن الشهرة التي يحصل معها مزيد بيان لدفع الوجه الثاني وبالجملة أن فحوى كلامه كالصريح في عدم حجية الشهرة كيف ولو قال بها يفصل القول فيها زيادة على ذلك وهي صحة الاستناد عليها في الأحكام الشرعية فيما عدا ما يتراءى من الشهرة الحاصلة بين المتأخرين عن الشيخ رحمه الله فإن ذلك هو الذي يقتضيه المقام ومع ذلك أطلق القول بضعف الاستناد إليها هذا ربما قررنا ضعف ما يورد عليه في المقام من أن احتمال الخطاء في دليلهم إنما ينافي قطعية الشهرة لا ظنيتها وبعد الخطاء معها جدا وذلك لأن اتفاق المعظم مع نهاية عدالتهم وفقاهتهم واختلاف أفهامهم وآرائهم وعدم موافقة بعضهم لبعض في المسائل الخلافية الاجتهادية حتى إن بعضهم ربما خالف نفسه واختار في المسألة أقوالا عديدة في الكتب العديدة إذ الأبواب المتعددة إذا رأيناهم متفقين