الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
409
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بأحدهما هذا على أحد الوجهين في بيان مراده كما مرت الإشارة إليه والوجه الآخر أن يراد به رفع وجوب كل من الجهر والإخفات بالأصل وإن لم يكن تركهما معا لعدم المندوحة عن فعل أحدهما فلا يحكم إذن بوجوب شيء منهما والعلم الإجمالي بوجوب أحدهما غير مفيد لسقوطه عن المكلف بعد انتفاء التعيين فيكون مختارا في أداء أي من الكيفيتين ولا يرتبط ما أورده في المقام بالإيراد المذكور على شيء من التفسيرين وقد بني إيراده على أن مراد المورد بيان الحال في خصوص ما إذا تعارض دليلا على القولين وتعادلا من غير ظهور مرجح في البين حيث جعل ذلك مما لا مندوحة فيه ولو كان دليل أحدهما راجحا على الآخر لكان هو المظنون واللائق أيضا البراءة دون الآخر أيضا وإن كان هناك مندوحة أيضا عنه فإنه يرجع إلى أصل البراءة عما دل عليه الدليل الراجح فأورد عليه بما ذكرنا وأنت خبير بأن حمل العبارة المذكورة على ذلك بعيد جدا بل لا إشارة فيها بذلك أصلا إذ لا إشعار في كلامه بفرض المسألة في خصوص صورة المعارضة بين الدليلين فضلا عن اعتبار المكافئة بينها وإنما ذكر في كلامه في المعارضة بين القولين وعدم إمكان ترك مقتضى الاحتمالين حيث إنه لا مندوحة للمكلف عن اختيار أحد الوجهين كيف وقد بنى المورد كلامه على نفي حجية الظن وحينئذ فلا تفاوت بين حصول المعادلة بينها في القوة والضعف وعدمها فإنه إنما يفرق بين الأمرين في الأدلة المعتبرة في الجملة دون ما لا غيرة بها مع الانفراد فضلا عن المعارضة ثم إنه لو سلم فرض المسألة في صورة المعادلة بين دليلي القولين وعدم حصول مرجح لأحد الجانبين لم يقض ذلك انتفاء المندوحة في المقام بوجه من الوجوه إذ المفروض عدم حجية شيء من الظنين وكون وجودهما كعدمهما فكيف ترتفع المندوحة من جهتها وما ذكره من أنه لو كان أحدهما راجحا إلى آخره غير متجه إذ مع كون الأصل رافعا للمظنون يكون رافعا لغيره بالأولى فكيف يجعل المرفوع بالأصل حينئذ خصوص المظنون حتى يكون المندوحة في المقام بأحد مقابله وإن كان هو أيضا مخالفا للأصل كما هو المفروض في المثال وبالجملة أن بناء المورد على الأخذ بمقتضى الأصل في غير ما حصل اليقين به سواء كان ما يقابله مظنونا أو لا وإنما فرض في المقام كونه رافعا للأدلة الظنية حيث إن الكلام وقع في ذلك فلا يعقل أن يكون قوة أحد الظنين في المقام وضعف الآخر قاضيا بحصول المندوحة في الصورة المفروضة حتى تكون المرفوع بالأصل خصوص المظنون دون الآخر وأما الرابعة فبوجوه أحدها يمكن ترجيح البعض لكونه المتعين بعد فرض حجية الظن في الجملة ودوران الأمر بينه وبين الأخذ بمطلق الظن وتوضيح ذلك أنه بعد ما ثبت بالمقدمات الثلاث المذكورة حجية الظن في الجملة لم يلزم من ذلك إلا حجية بعض الظنون مما يكتفي به في معرفة الأحكام بالقدر المذكور لأن المهملة في قوة الجزئية فإن كانت الظنون متساوية في نظر العقل من جميع الجهات لزم القول بحجية الجميع لامتناع الحكم بحجية بعض معين منها من دون مرجح باعث على التعيين أو الحكم بحجية غير معين منها إذ لا يعقل الرجوع إليه فيما هو الواجب من استنباط الأحكام وأما إذا كان البعض من تلك الظنون مقطوعا بحجيته على فرض حجية الظن في الجملة دون البعض الآخر تعين ذلك الحكم للبعض بالحجية دون الباقي فإنه هو القدر اللازم من المقدمات المذكورة دون ما عداه إذ حكم العقل بحجية الكل على ما ذكر ليس من جهة انتفاء المرجح بينها بحسب الواقع حتى يجب الحكم بحجية الجميع كذلك بل إنما هو من جهة عدم علمه بالمرجح فلا يصح له تعيين البعض للحجية دون البعض من غير ظهور مرجح عنده فيتعين عليه الحكم بحجية الكل بعد القطع بعدم المناص عن الرجوع إليه في الجملة فعموم الحكم المذكور إنما يجيء من جهة جهل العقل بالواقع وأنت خبير بأن قضية الجهل المذكور هي ترجيح الأخص في المقام عند دوران الأمر حينئذ بينه وبين الأعم لثبوت حجيته على التقديرين فبعد ثبوت حجية الظن في الجملة لا كلام في حجية ظنون خاصة لدوران الأمر حينئذ بين الأخذ بها وبغيرها فكيف يسوغ حينئذ للعقل تجويز الرجوع إلى غير الظنون الخاصة مع كون تلك الظنون كافية في استنباط الأحكام فإن قلت إن القائل بحجية كل الظنون إنما يقول بحجية الظنون الخاصة من حيث إنها ظن والأصل خصوصيتها وتلك الحيثية جارية في جميع الظنون والقائل بحجية خصوص تلك الظنون الخاصة من حيث إنها ظن لم يقم على ذلك حجة قاطعة فلم يثبت إذن خصوصية في تلك الظنون حتى يقال بترجيحها على غيرها قلت ليس المقصود في المقام الاستناد في مقام الترجيح إلى الدليل الدال على حجية الظنون الخاصة حتى يقال بعدم ثبوت مرجح قطعي قاض بحجيتها بخصوصها وعدم اتفاق الأقوال عليها كذلك بل المراد أنه لما دار الأمر في نظر العقل بعدم العلم بحجية الظن على جهة الإهمال بمقتضى المقدمات الثلاث المذكور حيث إنه لا يحتمل هناك وجها ثالثا وكان حجية الظنون الخاصة ثابتة على كل من الوجهين المذكورين فحكم العقل بحجيتها ليس من أجل قيام الحجة على حجيتها ابتداء حتى يقابل ذلك بعدم نهوض دليل عليها كذلك بل من جهة جهله بعموم الحجية واختصاصها بالبعض بعد علمه بحجية الظن في الجملة فإن قضية ذلك عدم ثبوت حجية ما يزيد على ذلك فليس له الحكم إلا بالقدر الثابت على التقديرين أخذا باليقين وإن احتمل أن يكون حجية ذلك البعض واقعا من جهة كونه ظنا مطلقا لتعم الجميع أو بملاحظة الخصوصية أن مجرد الاحتمال لا يثمر شيئا في المقام ولا يجوز تعدي العقل في الحكم عن القدر المذكور والحاصل أن جهله بالترجيح في المقام قاض بحكمه بترجيح ذلك البعض عند الدوران بينه وبين الكل دون حكمه بحجية الكل من جهة الترجيح بلا مرجح كما هو المدعى فظهر بما قررنا أن الحكم بترجيح البعض المذكور ليس من جهة الاتفاق عليه بخصوصه حتى يقابل ذلك بمنع حصول الاتفاق على خصوص ظن خاص وأنه لو سلم ذلك فالقدر المتفق عليه لا يكفي في استعلام الأحكام كما هو الحال في العلم فالإيراد في المقام بأحد الوجهين المذكورين بين الاندفاع فإن قلت إن الظنون الخاصة لا معيار لها حتى يؤخذ منها حينئذ على مقتضى اليقين لحصول الاختلاف في خصوصياتها الظاهرة قلت يؤخذ حينئذ بأخص وجوهها مما اتفق عليها القائلون بالظنون الخاصة بأن لا يحتمل الاقتصار على ما دونها بناء على ذلك فإن اكتفي به في دفع الضرورة فلا كلام وإلا أخذ بالأخص بعده أخذا بمقتضى المقدمات المذكورة إلى أن يدفع به الضرورة ويترك الباقي بعد ذلك ولو فرض دوران الأمر بين ظنين أو ظنون في مرتبة واحدة حكم بحجية الكل لانتفاء الترجيح ولا يقضي ذلك بحجية ما بعده من المراتب فإن قلت إنه لو تم ما ذكر فإنما يتم مع عدم معارضة الظن الخاص لغيره من الظنون وأما مع المعارضة ورجحان الظن الآخر عليه أو مساواته له