الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

406

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بمقدار علمه ولا يتعلق بناء التكليف بالمجملات إلا بمقدار ما وصل إلينا من البيان فلا يجب علينا إلا الإتيان بما يفي به الأدلة القاطعة من الأجزاء والشرائط إذ المفروض كون القطع هو الطريق في البيان وعدم حصول ثبوت البيان بغيره وإلا قطع لنا بعد الاقتصار على ذلك بوجوب جزء أو شرط آخر إذ لم يقم ضرورة ولا إجماع ونحوهما من الأدلة القاطعة على اعتبار شيء مما وقع الخلاف فيه من الأجزاء والشرائط ولو في الجملة وما قد يقال من حصول القطع إجمالا بوجوب أجزاء آخر غير ما دلت عليه الأدلة القاطعة بين السقوط بعد ملاحظة الحال في العبادات من الطهارة والصلاة والصوم والزكاة وغيرها ومع الغض عن ذلك وتسليم حصول علم إجمالي بذلك فإنما المعلوم اعتبار جزء أو شرط كذلك بحسب الواقع وأما تعلق ذلك بنا مع عدم ظهور طريق إليه فمما لم يقم عليه إجماع ولا غيره فأي مانع من تقية بالقاعدة المذكورة وإن علم كون الحكم الواقع الأولي خلافه لوضوح جريان أصالة البراءة مع العلم الإجمالي باشتغال الذمة بحسب الواقع إذا لم يكن هناك طريق إليه وقد يشكل الحال في المقام في القضاء والإفتاء سيما في مسائل المعاملات لدوران الأمر حينئذ بين محذورين لكن الذي يقتضيه القاعدة المذكورة هو الحكم بعدم تعلق وجوب القضاء والإفتاء بها إلا فيما ثبت وجوبه علينا بالدليل القاطع أخذا بمقتضى القاعدة العقلية وليس في الالتزام به خروج عن مقتضى الأدلة القاطعة القاضية بكوننا مكلفين فعلا بالأحكام الشريعة في الجملة فإنها لا تفيد كوننا مكلفين بالفعل بجميع التكاليف الواقعية وإن كانت معلومة إجمالا حسبما مرت الإشارة إليه فظهر بما قررنا اندفاع ما يقال من أن الاقتصار على القدر المتيقن من التكليف لا يكتفي به في الخروج عن عهدة التكليف للقطع الإجمالي ببقاء تكاليف أخر غير ما يقطع به على جهة التفصيل نعم قد يشكل الحال في الطواري الواردة كأحكام الشكوك ونحوها مما يقطع بتعلق التكليف هناك على أحد وجهين أو وجوه ويمكن دفعه بناء على الوجه المذكور بالتزام التخيير فيها بعد العلم بتعلق التكليف في الجملة وعدم قيام دليل على التعيين حيث إن المقطوع به هو حينئذ أحد الوجهين أو الوجوه فيقتصر في ثبوت التكليف بذلك المقدار يتخير في أدائه بين ذينك الوجهين أو الوجوه وبمثله يقال إذا دار الواجب من أصله بين الأمرين لا قطع بأحدهما كدوران الصلاة مع القطع بتعلق التكليف بأحدهما كدوران الصلاة يوم الجمعة بين الظهر والجمعة لكن البناء على جريان الأصل في مثل ذلك بعيد جدا إذ كون الإتيان بكل منهما أداء للمأمور به غير ظاهر بعد دوران التكليف هناك بين الأمرين وكذا القدر المعلوم من المكلف به هو أحد الأمرين لا أنه تعلق هناك أمر بالقدر الجامع بين الأمرين ليكون الشك في الخصوصية قاضيا بدفعها بالأصل فيبقى التكليف بالمطلق هو القدر الثابت من المكلف به فالموافق للقاعدة حينئذ هو البناء على تحصيل اليقين فيجب الإتيان بالفعلين ولا مانع من الالتزام بالاحتياط في مثل الصورة المفروضة ولا يقع ذلك إلا في صورة نادرة ثم إني أقول إنه لو قرّر الاستدلال بنحو يكون الاستناد فيه إلى مجرد انسداد باب العلم بعد ثبوت التكليف في الجملة كان ما أورده من قيام ما ذكر من الاحتمال غير ناهض في هدم الاستدلال أو نقول حينئذ إن قضية حكم العقل بعد العلم بحصول التكليف في الجملة ولزوم الإتيان بالواجبات وترك المحرمات هو التخيير بين متعلق الوجوب وغيره ومتعلق المنع والإباحة ليتمكن من الامتثال بالفعل والترك لتوقف دفع الخوف من الضرر عليه كما أنه يوجب النظر إلى المعجزة بمجرد ادعاء النبوة لاحتمال كونه نبيا في الواقع وترتب الضرر على مخالفته في الأجل فكما أن ثبوت الحكم يحتاج إلى الدليل القاطع فكذلك نفيه أيضا فنقول إن قضية انسداد باب العلم في المقام هو الرجوع إلى الظن إذ هو الأقرب إلى العلم فما ذكره من جواز أن يكون الرجوع في الإثبات هو العلم ويحكم فيما عدا المعلوم وإن كان مظنونا بالنفي لا وجه له إذ هو أخذ بالوهم وتنزل من العلم إلى ما دونه بدرجات نعم إن قام الدليل عليه كذلك صح الإيراد المذكور فإبراز مجرد الاحتمال كما هو ظاهر كلام المورد غير كاف في المقام وإن ادعي قيام الدليل عليه كذلك كما يومي إليه آخر كلامه تم سيما فيما إذا حصل الظن بخلافه إذ قضية التنزل من العلم هو الأخذ بما هو أقرب إليه في الإثبات والنفي من غير فرق وإن ادعي الإجماع على أصالة البراءة حتى يعلم النقل فهو أيضا مما لا وجه له سيما في نحو ما ذكره من مسألة الجهر والإخفات بعد العلم بوجوب إحدى الكيفيتين إذ لا يبعد في مثله الحكم حينئذ بوجوب التكرار كما نصوا عليه في صورة اشتباه الموضوع كالصلاة في الثوبين المشتبهين ودعوى الإجماع هنا على السقوط وعدم الرجوع إلى الاحتياط مجازفة بينة ومن غريب الكلام ما وقع في المقام عن بعض الأعلام حيث إنه أورد على المورد المذكور في فرقه بين مسألة غسل الجمعة ووجوب الجهر والإخفات في جريان الأصل بأنه إن أراد نفي الوجوب مع عدم الحكم بالاستحباب فهو لا يلائم ما ثبت يقينا من الشرع وإن أراد إثبات الاستحباب فهو ليس إلا معنى ترجيح أحاديث الاستحباب على أحاديث الوجوب بالأصل وأن الرجحان الإثبات بالإجماع والضرورة لا بد أن يكون هو الرجحان الاستحبابي دون الوجوب فهو لا يتم إلا بترجيح أصل البراءة على الاحتياط وهو موقوف على حجية هذا الظن وبالجملة الجنس لا بقاء له بدون الفصل والثابت من الشرع أحد الأمرين وأصل البراءة لا ينفي إلا المنع من الترك وعلى فرض أن يكون الرجحان الثابت بالإجماع هو الحاصل في ضمن الوجوب فقط في نفس الأمر فمع نفي المنع من الترك بأصل البراءة لا يبقى رجحان أصل انتفاء الجنس بانتفاء فصله وأصل البراءة من المنع من الترك لا يوجب كون الثابت بالإجماع في نفس الأمر هو الاستحباب فكيف يحكم بالاستصحاب فلم يصح ترجيح الحديث الدال على الاستحباب على الحديث الدال على الوجوب بسبب اعتضاده بأصل البراءة وهذا ليس مراده وإنما المناسب لما رامه من المثال هو أن يقال في نجاسة عرق الجنب بالحرام مثلا أن خبر الواحد الوارد في ذلك أو الإجماع المنقول الدال على ذلك لا حجية فيه والأصل براءة الذمة عن وجوب الاجتناب وحينئذ فالجواب عن ذلك يظهر مما قد بينا من منع حصول الجزم أو الظن بأصل البراءة مع ورود الخبر الصحيح ومما ذكرنا ظهر أن حكم غسل الجمعة نظير الجهر بالبسملة والإخفات على ما فهمه والحاصل أن الكلام فيما كان الخبر الواحد الظني في مقابل أصل البراءة وفي غسل الجمعة الحكم بمطلق الرجحان القطعي الحاصل من الإجماع والنوعين من الأخبار الواردة فيه في مقابل أصل البراءة انتهى وأنت خبير بما فيه أما أولا فبأن إثبات الاستحباب حينئذ بضميمة الأصل مما لا غبار عليه فإن مطلق الرجحان