الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
393
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
حصول الانتهاء إليه هنا أيضا وما ذكر من قيام البرهان القاطع على حجية الظن عند القائل به فكيف يسلم انسداد باب العلم فيها أوهن شيء فإن الدليل العقلي المذكور على فرض صحته إنما يقرر على فرض انسداد باب العلم بالواقع وبالطريق المقرر من الشرع كيف ولو كان عنده طريق خاص قطعي مقرر من الشارع لاستفادة الأحكام لما تم دليله المذكور قطعا لابتنائه على انتفائه حيث أخذ ذلك من مقدماته كما سيجيء بيانه إن شاء الله ولا يدعى أيضا قيام الدليل القطعي أولا على حجية كل ظن وإلا لما احتاج إلى الدليل المذكور بل إنما يقول بانسداد سبيل العلم بالواقع وبالطريق المقرر من الشرع أولا للوصول إلى الواقع ويريد بيان أن قضية العقل بعد الانسداد المذكور هو الرجوع إلى مطلق الظن بالبرهان الذي يدعيه إنما هو بعد فرض الجهل فيستكشف به حال الجاهل وأن قضية جهله مع علمه ببقاء التكليف ما ذا ونحن نقول إن قضية ذلك هو الانتقال إلى الظن على الوجه الذي قررناه دون ما ادعوه فالكلام المذكور ساقط جدا الثاني أنه كما قرر الشارع أحيانا واقعة كذا قرر طريقا للوصول إليها إما العلم بالواقع أو مطلق الظن أو غيرهما قبل انسداد باب العلم وبعده وحينئذ فإن كان سبيل العلم بذلك الطريق مفتوحا فالواجب الأخذ به والجري على مقتضاه ولا يجوز الأخذ بغيره مما لا يقطع معه بالوصول إليه من غير خلاف بين الفريقين وإن انسد سبيل العلم به تعين الرجوع إلى الظن به فيكون ما ظن أنه طريق مقرر من الشارع طريقا قطعيا حينئذ إلى الواقع نظرا إلى الواقع ببقاء التكليف بالرجوع إلى الطريق وقطع العقل بقيام الظن حينئذ مقام العلم حسبما عرفت ويأتي الحجة إذن ما يظن كونه حجة وطريقا إلى الوصول إلى الأحكام وذلك إنما يكون لقيام الأدلة الظنية على كونه كذلك وليس ذلك إثباتا للظن بالظن حسبما قد يتوهم بل تنزلا من العلم بما جعله الشارع طريقا إلى ما يظن كونه كذلك بمقتضى حكم العقل حسبما مرت الإشارة إلى نظيره في الوجه المتقدم وقد يورد عليه بوجوه سخيفة نشير إلى جملة منها أحدها ما أشرنا إلى نظيره سابقا من أن هذه المسألة من المسائل الكلامية وانسداد سبيل العلم فيها معلوم البطلان وقد عرفت وهنه ثانيها أن سبيل العلم بهذه المسألة مفتوح فإن كل من سلك مسلكا في المقام يدعى العلم به من البناء على مطلق الظن أو الظن الخاص وقد أشرنا سابقا إلى وضوح فساده ثالثها أن الانتقال إلى الظن بما جعله طريقا مع العلم ببقاء التكليف بالأخذ بالطريق المقرر بعد انسداد باب سبيل العلم وهو ممنوع إذ لا ضرورة قاضية ببقاء التكليف في تلك الخصوصية لو سلم انسداد باب العلم بها بخلاف الأحكام الواقعية فإن بعد انسداد باب العلم بها قد قامت الضرورة ببقاء التكليف وإلا لزم الخروج عن الدين وهو أيضا في الوهن نظير سابقيه إذ من الواضح أن للشارع حكما في شأن من انسد عليه سبيل العلم من وجوب عمله بمطلق الظن أو الظن الخاص ولا نعني نحن بالطريق المقرر إلا ذلك وحينئذ كيف يمكن منعه مع أن الضرورة القاضية به بعد القطع ببقاء التكليف أوضح من الضرورة القاضية ببقاء التكاليف أو البناء عليه لا مجال لأن يستريب ذو مسكة فيه مع قطع النظر عن ضرورة الدين القاضية ببقاء الأحكام فإذا علم ثبوت طريق للشارع في شأنه حينئذ من الأخذ بمطلق الظن أو غيره تعين تحصيل العلم به أولا فإن قام عليه دليل قطعي من قبله كما يدعيه القائل بالظنون الخاصة فلا كلام وإلا تعين الأخذ بما يظن كونه طريقا ولا يصح القول بالرجوع إلى مطلق الظن بالواقع من جهة الجهل المفروض بل قضية علمه بتعين طريق عند الشارع في شأنه وجهله من جهة انسداد سبيل العلم به هو الرجوع إلى الظن به أعني الأخذ بمقتضى الدليل الظني الدال عليه حتى يحصل له القطع من ذلك بكونه الحجة عليه بضميمة الدليل المذكور وذلك حاصل في جهة الظنون الخاصة دون مطلق الظن نعم لو لم يكن هناك طريق خاص يظن حجيته مما يكتفي به في استنباط القدر اللازم من الأحكام وتساوت الظنون بالنسبة إلى ذلك مع القطع بوجوب الرجوع إلى الظن في الجملة كان الجميع حجة حسبما مر ونحن نسلمه إلا أنه ليس الحال كذلك في المقام رابعها أنه إن أريد بذلك حصول العلم الإجمالي بأن الشارع قد قرر طريقا لإدراك الأحكام الواقعية والوصول إليها فكلفنا في كل واقعة بالبناء على شيء كما هو مقتضى الإجماع والضرورة فمسلم ولكن نقول هو ظن المجتهد مطلقا من أي سبب كان من الأسباب التي لم يعلم عدم الاعتداد بها وإن كان المراد القطع بأن الشارع قد وضع طريقا تعبديا كالبينة للوصول إلى الأحكام فممنوع وأين القطع به بل خلافه من المسلمات لقيام الإجماع والضرورة على توقف التكليف على الإدراك والفهم ولعله الظن بالواقع وهذا أوضح فسادا من الوجوه المتقدمة أما أولا فلأن ما سلبه من تعيين طريق من الشارع الوصول إلى الأحكام مدعيا قضاء الضرورة هو عين ما أنكره أولا وحينئذ فقوله إنا نقول إن ذلك الطريق هو مطلق الظن بين الفساد فإنه إن كان ذلك من جهة اقتضاء سبيل العلم وبقاء التكليف له فهو خلاف الواقع فإن مقتضاه بعد التأمل فيما قررناه هو ما ذكره دون ما توهموه وإن كان لقيام دليل آخر عليه فلا كلام لكن أنى له بذلك وأما ثانيا فبأنه لا مانع من تقرير الشارع طرقا تعبدية للوصول إلى الأحكام كما قرر طرقا بالنسبة إلى الموضوعات بل نقول إن أدلة الفقاهة كلها من هذا القبيل بل وكذا كثير من أدلة الاجتهاد حسبما فصلنا القول فيها في محل آخر وأما ثالثا فبأن ما ذكره من الترديد مما لا وجه له أصلا فإن المقصود من المقدمة المذكورة تعين طريق إلى ذلك عند الشارع في الجملة من غير حاجة إلى بيان الخصوصية فما ذكره من الترديد خارج عن قانون المناظرة ويمكن الإيراد في المقام بأنه كما انسد سبيل العلم بالطريق المقرر كذا انسد سبيل العلم بالأحكام المقررة في الشريعة وكما تنتقل من العلم بالطريق المقرر بعد انسداد سبيله إلى الظن به فكذا تنتقل من العلم بالأحكام الشرعية إلى ظنها تنزلا من العلم إلى الظن في المقامين لكون العلم طريقا قطعيا إلى الأمرين فبعد انسداد طريقة يؤخذ بالظن بها فغاية ما يستفاد إذن من الوجه المذكور كون الظن بالطريق أيضا حجة كالظن بالواقع ولا يستفاد منه حجيّة خصوص ظنون الخاصة دون مطلق الظن بل قضية ما ذكر حجية الأمرين ولا يأبى عنه القائل بحجية مطلق الظن فيثبت ذلك مقصوده من حجية مطلق الظن وإن أضيف إليه شيء آخر ويدفعه أنه لما كان المطلوب أداء ما هو الواقع لكن من الطريق الذي قرره الشارع وإن حصل العلم بذلك الطريق وأراه كذلك فلا كلام وكذا إن أراه على وجه يقطع معه بأداء الواقع فإن علم بطريق إليه قطعا سواء اعتبره الشارع أولا للاكتفاء بأداء الواقع بل يتعين الأخذ به على تقدير انسداد سبيل العلم بالطريق المقرر وانفتاح سبيل العلم بالواقع وأما إذا انسد سبيل العلم بالأمرين تعين الأخذ بالظن بالطريق دون الظن بالواقع