الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
390
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
مطلقا وإنما الحجة كل واحد من الطرق الخاصة التي قامت عليه الأدلة القاطعة في الشريعة وسيظهر دعوى الإجماع عليه كذلك من الشريف الأستاذ قدس سره حيث ذكر في بعض تحقيقاته في دفع حجية الشهرة أن اعتبارها مبني على حجية الظن مطلقا وليس ذلك من مذهبنا وإن أوهمه بعض العبارات والحجة عندنا ليس إلا اليقين أو الظن المعتبر شرعا وهو المنتهى إلى اليقين كظواهر الكتاب وهو المطابق لما ادعاه السيد رحمه الله حسبما عرفت فيتأيد به الدعوى المذكورة مضافا إلى ملاحظة طريقة العلماء خلفا عن سلف فإنه لا زال علماؤنا يستدلون على حجية الأدلة الظنية والطرق الخاصة بالأدلة القائمة عليها من الكتاب والسنة وغيرهما ولم نجدهم يستندون إلى مجرد كونه مفيدا للظن وأيضا لا زالوا يتمسكون في غير القطعيات بالظنون الحاصلة من الكتاب والسنة والقواعد المأخوذة عنها دون غيرها وعلى ذلك جرت طريقتهم من لدن أعصار الأئمة عليهم السلام إلى يومنا هذا كما يظهر ذلك من ملاحظة الكتب الاستدلالية ومناظراتهم المحكية كيف ولو كان مطلق الظن حجة عندهم لأقاموا الدليل على ذلك واستراحوا عن مئونة الأدلة الخاصة على الظنون المخصوصة بل الذي يظهر أن ذلك من طريقة العامة حيث إنهم يركنون إلى سائر ما يفيد الظن كما يشعر به كلام الشريف الأستاذ وربما يشير إليه عبارة السيد ره وعليه مبنى الاجتهاد عندهم حيث إنهم يطلبون به الظن بالحكم الشرعي ولذا ورد ذم الاجتهاد في الأخبار وأنكره علماؤنا يعبئون ذلك دون مطلق الاجتهاد فإنه مطلق عندنا أيضا وإنما يراد به بذل الوسع في تحصيل مفاد الأدلة التي يقطع بحجيتها والعمل بمؤدّاها وتحصيل ما هو الأقوى منها عند تعارضها وأين ذلك من الاجتهاد المطلوب عند العامة فمطلق الظن عندنا إنما يعتبر في التراجيح الحاصلة بين ما يقطع بحجيتها دون نفس الأدلة والحاصل أن الحكم بانعقاد الإجماع على ما ذكرنا غير بعيد من ملاحظة طريقتهم والتأمل في مطاوي كلماتهم حسبما قررناه وقد ادعاه السيدان حسبما عرفت وربما يدعي الإجماع على عكس ذلك بعض ما قد يوهم ذلك من كلماتهم وهو توهم فاسد كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله ثالثها أن يدعى الإجماع على أن الظن ليس بحجة إلا ما قام الدليل القطعي أو المنتهي إلى القطع على اعتباره فإن قام ذلك فلا كلام وإلا بني على عدم حجيته والظاهر أنه لا مجال لأحد في إنكاره حسبما عرفت بل هو مما اجتمعت عليه العقلاء كافة وإن فرض خلاف شأن فيه فهو من قبيل الخلاف في الضروريات على نحو ما يقع من السوفسطائية وحكاية إجماع المسلمين عليه مذكورة في كلام غير واحد من الأفاضل وأورد عليه أن غاية ما ذكر أن الظن ليس بحجة من أول الأمر والأصل الأولي فيه عدم الحجية على عكس العلم فلا يجوز التمسك بشيء من الظنون إلا ما قام الدليل على حجية من مطلق الظن أو الظنون الخاصة وهذا كما عرفت خارج عن محل الكلام إنما البحث في أن الأصل المذكور هل انقلب بعد انسداد باب العلم فصار الأصل الثانوي حجية الظن حينئذ إلا ما قام الدليل على خلافه إذ الأصل فيه أيضا عدم الحجية وإنما قام الدليل على حجية ظنون مخصوصة ولا ربط للإجماع المذكور بإثبات ذلك ونفيه وانقلاب الأصول إلى أصول أخر بخلافها شائع في الفقه كحجية شهادة العدلين وأخبار ذي اليد ولأنه يد المسلم على الطهارة بعد العلم بنجاسته مع أن الأصل الأولي في الجميع على خلاف ذلك والكلام هنا في إثبات هذا الأصل ولا يثبت بالإجماع المدعى على ثبوت الأصل في التقدير الآخر قلت المقصود التمسك بالإجماع المذكور بيان هذا الأصل المسلم وأن قضية الأصل عدم حجية شيء من الظنون إلا ما قام الدليل عليه فالقائل بحجيته مطلق الظن حينئذ لا بد له من إقامة دليل علمي عليه فإن تم له ذلك فلا كلام وإلا لم يكن له بد من القول بنفي حجية الظن بمقتضى الإجماع المذكور إلا ما قام الدليل القاطع على حجية مخصوص من الظنون والإجماع القائم على الأصل الأولي كان حجة على ثبوت الأصل في المقام الثاني بعد المناقشة في الدليل القائم على خلافه فإذا لم ينهض دليل القائل بأصالة حجية مطلق الظن بالأصل الثانوي حجة في المقام انحصر الدليل بمقتضى الإجماع المذكور في الظنون الخاصة من غير حاجة في هذا الأصل إلى إقامة دليل آخر وهذا هو المقصود من الاحتجاج المذكور فمرجع هذا الدليل إلى الوجه السابق إلا أن التفاوت بينهما أن ذلك الأصل وقد يستدل بعمومات الكتاب والسنة وقد يستدل عليه بالعقل حسبما مرت الإشارة إليه فالأدلة الأربعة مطابقة على إثبات الأصل المذكور وهو قاض بعدم حجية مطلق الظن وعدم جواز الاتكال عليه إلا ما قام دليل على حجيته فإذا نوقش فيما يستنهض دليلا على ذلك ولم نجد دليلا آخر سواه تم الاحتجاج المذكور فيمكن أن يقرر ذلك بملاحظة المذكورة دليلا واحدا على المقصود ويمكن أن يقرر أدلة أربعة نظرا إلى تعداد الأدلة القاضية به ولا مشاحة فيه الثالث أنه لو كان مطلق الظن حجة في الشريعة وكانت العبرة في استنباط الأحكام بعد انسداد باب العلم بالواقع بمطلق المظنة أورد ذلك في الأخبار المأثورة ونص عليه صاحب الشريعة بل تواترت فيه الروايات الواردة إذ هو من المطالب المهمة وينوط به بقاء الشريعة وبه تنسيق التكاليف الآتية فكيف يقع من صاحب الشريعة إهمال البيان مع أنا لا نجد في الكتاب والسنة دلالة على ذلك ولا بيانا من صاحب الشريعة بل ولا إشارة إليه في الروايات المأثورة بل نجد الأمر بعكس ذلك حيث ورد في الأخبار ذم الأخذ بالظن والمنع من التعويل عليه فعدم قيام الدليل من الشرع على حجيته مع كون المسألة مما يعم به البلية أقوى دليل على عدم ثبوت الحكم بل قد ورد عنه طريق آخر لاستنباط الأحكام غير مطلق الظن قد وقع التنصيص عليه في أخبار كثيرة وهو الأخذ بالكتاب والسنة والأخبار المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام وقد ورد الحث الأكيد على الرجوع إلى ذلك ففيه أقوى دلالة على عدم الرجوع إلى مطلق الظن مع التمكن من الرجوع إلى ذلك نعم الرجوع إلى ما ذكر إنما يكون غالبا على سبيل الظن إلا أنه ظن خاص لا مدخل له بمطلق الظن ومن الغريب ما أورد في المقام أنه قد ورد الأمر بالعمل بالظن في الأخبار فلا وجه لما يدعى من عدم ورود في الأخبار مشيرا بذلك إلى الأخبار الدالة على الأمر بالأخذ بالكتاب والسنة نظرا إلى أن الأخذ بهما غالبا إنما يكون على سبيل الظن إذ من الواضح أن ذلك أمر بالأخذ بالظن الخاص دون المطلوب فهو يؤيد مقصود المستدل ويعاضد ما ادعاه حسبما ذكرناه إلا أنه ينافيه وقد يورد على الاحتجاج المذكور بأنه لم يكن سبيل العلم منسدا في أزمنة المعصومين عليهم السلام وإنما حصل الانسداد بعد ذلك ولو كان ذلك حاصلا في أزمنتهم صح ما ذكر في الاحتجاج وأما إذا حصل بعد تلك الأزمنة فلا دلالة في خلو الأخبار عنه على عدم