الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
38
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
شائع الاستعمالات على ورود الخصوصيّات من أهل اللسان وثبوت الترخيص في الأشخاص وجريان السير واستمرار الطّريقة عليه حسبما أشرنا إليه وأما على الافتقار إلى نقل الآحاد في الحروف والظّروف ونحوهما من الأفعال والأسماء الناقصة فباعتناء علماء العربية في مستعملاتها وبيان معانيها الحقيقية والمجازية من غير فرق بينهما في ذلك وفي إيراد الشواهد والأدلّة لإثبات كل من معانيها ولو كانت مجازية ووقوع النزاع في بعض منها على نحو المعاني الحقيقية واستناد كلّ من الطرفين إلى الشواهد والمرجّحات فلو لا الحاجة إلى النقل وتوقف الاستعمال فيها على التوقيف لم يتجه ما ذكروه ولم يترتب فائدة على ما بينوه بل لم ينحصر معانيها المجازية فيما شرحوه لاتساع الدائرة فيها وعدم توقف صحة الاستعمال على نقلهم لها وفيه أن ذلك لا يفيد توقف المجاز على النقل فقد يكون ذلك لمزيد عنايتهم بشأنها لكثرة دورانها في الاستعمالات وشيوع استعمالها في المحاورات وقد كان معظم ما يصح استعماله فيه من معانيها المجازية جاريا في استعمالاتهم واقعا في إطلاقاتهم فأرادوا بيان معانيها المجازيّة ليسهل تفسير استعمالاته الواردة في كلامهم وحصرهم المعاني فيما ذكروه لو سلم فإنما هو لعدم حصول ما ذكرناه من المناط في صحّة التجوز إلا بالنسبة إليها في الغالب لا لتوقف الأمر فيها على النقل وقد يورد على ذلك بأن إسنادهم فيما ذكروه من المعاني إلى الشواهد النقلية نظير المعاني الحقيقية ومناقشتهم فيما يستندون إليه في ثبوت الإطلاق على بعض المعاني المفروضة مما يدل على توقف الاستعمال فيها على النقل دون القاعدة ويمكن الجواب عنه بأن ما كان من هذا القبيل قد يدعى كونه من المعاني الحقيقية إذ لا يتجه المناقشة في صحة التجوز مع حصول العلاقة بين المعنيين بعد ملاحظة ما هو ظاهر من طريقتهم في المجاز فلا يبعد حينئذ أن يكون ما ناقشوا في ثبوته من جملة المعاني الحقيقية وإن كان من المعاني القديمة المهجورة أو يقال إنه لما كانت العلاقة هناك خفية أرادوا بالرجوع إلى الشواهد معرفة كون تلك العلائق معتبرة عندهم مصححة للاستعمال في نظرهم حيث وقع الاستعمال من جهتها في كلامهم وربما يقال بأن التجوز في الحروف وما ضاهاها ليس على حد غيرها من سائر الأسماء والأفعال بل يصح الخروج عن مقتضى أوضاعها باستعمالها في غير ما وضعت له مما أجاز الوضع استعمالها فيه بملاحظة القرائن وإن لم يكن مناسبا لمعانيها الحقيقية كاستعمال إلى بمعنى مع والباء بمعنى من أو بمعنى بل ونحو ذلك بل كثير من المعاني المذكورة لها من هذا القبيل فإذا التزم بمجازيتها لاتجه البناء على ما ذكرنا وهو وإن كان خلاف ما هو المعروف في المجاز إلا أنه غير بعيد عن الاعتبار ولا مانع منه بعد إذن الواضع وترخيصه فيه فيكون اعتبار العلاقة والمناسبة حاصلة في القسم السابع من المجاز ويكون إطلاق كلام القوم في اعتبار العلاقة محمولة على ذلك ويكون الوضع الترخيصي الحاصل هناك نوعا كليا بخلاف التجوز على الوجه المذكور لعدم إناطة الترخيص فيه بالعلاقة فيكون الوضع الترخيصي فيه شخصيا متعلقا بلفظ خاص ومعنى مخصوص على نحو الأوضاع الحقيقية الشخصيّة فلا بد من ثبوت التوقيف فيه كذلك فإن الحاجة إلى نقل الآحاد والنوع يتبع الوضع الحاصل من أهل اللغة فإن كان الوضع هناك نوعيا كليا لزم حصول التوقيف فيه بالنسبة إلى النوع من غير حاجة إلى نقل الآحاد كما في الوجه الأول وإن كان شخصيا خاصيا فلا بد من ثبوته كذلك كما في الثاني من غير فرق في ذلك بين الحقيقة والمجاز ومن ذلك يظهر وجه آخر في عدم توقف صحة التجوز على الوجه الأول على نقل خصوص آحاد المجاز ولا أنواع العلائق إذ الظاهر كون الوضع الترخيصي الحاصل هناك أمرا واحدا كليا لا أن هناك أوضاعا ترخيصية شخصيّة متعلقة بآحاد المجازات أو نوعية متعلقة بأنواع العلائق متعددة على حسبها ليفتقر صحة التجوز بالنسبة إلى كل منها على نقله وثبوته من الواضع وكيف كان فالتحقيق في المقام دوران الأمر هناك بين أحد الوجهين المذكورين من التزام كونها من المعاني الحقيقية أو التزام صحة التجوّز مع الخلو عن العلاقة المعتبرة من جهة الترخيص الخاص المتعلق به نظرا إلى خلو معظم المعاني المذكورة لها من العلاقة المسوغة وتعنى بعض التعسفات الرّكيكة في إبداء المناسبة بينها وبين المعاني الحقيقة لو أمكن فيما لا داعي إليه وتوقف ثبوتها إذن على التوقيف ونقل الآحاد على كل من الوجهين المذكورين واضح وأما غيرها من المناسبة لمعانيها الحقيقي فقد يكون تعرضهم له من جهة احتمال ثبوت الوضع فيه أو من جهة بنائهم على استيفاء معانيها المستعملة أو لتوضيح المراد منها في الاستعمالات الواردة حسبما أشرنا إليه فتأمل [ في المعنى الحقيقي وعلاماته . ] الأصل في الاستعمال حمل اللفظ على معناه الحقيقي فيما إذا دار الأمر بين الحمل عليه وعلى المعنى المجازي فيحكم بكون المعنى الحقيقي هو المقصود بالإفادة المطلوب إفهامه من العبارة إلا أن يقوم هناك قرينة صارفة عن ذلك قاضية بحمل اللفظ على غيره إما باستعمال اللفظ فيه ابتداء أو باستعماله في المعنى الحقيقي لينتقل منه إلى المجازي كما في الكناية وغيرها حسبما مر ويدل عليه بعد قيام السيرة القاطعة المستمرة من بدو وضع اللغة إلى الآن عليه النظر إلى الغاية الباعثة على التصدي للوضع إذ الغرض من الأوضاع يستهل الأمر في التفهيم والتفهم حيث إن الإنسان مدني الطبع يحتاج في أمر معاشه ومعاده إلى أبناء نوعه ولا يتم له حوائجه من دون الاستعانة بغيره ولا يحصل ذلك إلا بإبداء ما في ضميره وفهمه ما في ضمير غيره مما يحتاج إليه ولا يتسهل له ذلك إلا بواسطة الموضوعات اللفظية حيث إن سائر الطرق من الإشارة ونحوها لا يفي بجميع المقاصد ولا يمكن الإفهام بها في كثير من الأوقات ويتعسر إفهام تمام المطلوب والمقصود بها في الغالب مضافا إلى ما فيها من الخطاء والالتباس فلذا قضت الحكمة بتقرير اللغات وبناء الأمر في التفهم والتفهيم على الألفاظ ومن البين أن الفائدة المذكورة إنما يترتب على ذلك بجعل الألفاظ كافية في بيان المقاصد من غير حاجة إلى ضم شيء من القرائن إذ لو توقف الفهم على ضمها لزم العود إلى المحذور المذكور مضافا إلى كونه تطويلا بلا طائل لإمكان حصول المقصود من دونه نعم قد يطلب الإجمال وعدم التصريح بخصوص المقصود في بعض المقامات ولذلك وغيره من القوائد وقع الاشتراك في بعض الألفاظ إلا أنه ليس في