الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
386
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
نفس الظن فمع عدم حصول الظن من الدليل المانع يمنع منه لا تنهض حجة وإن لم يكن المانع المفروض حجة إذ منعه من حصول الظن إنما يتبع الوجدان دون الحجية وقضية عدم الحجية عدم الاتكال على الظن المانع ولا ربط له بالمنع من حصول الظن منه ويحتمل أن يراد به حجية ما يفيد الظن في نفسه سواء حصل به الظن بالحكم فعلا لانتفاء ما يمنع من حصوله أو لم يحصل لحصول مانع منه والأول هو الذي يقتضيه ظاهر بعض كلماتهم وتعطيه أدلتهم وأما الثاني فلا يفي به ما قرروه من الأدلة كما ستعرف إن شاء الله ويمكن أن يقال بحجية الظن مطلقا سواء تعلق بالواقع أو بالطريق الموصل في حكم الشارع فلو قام دليل ظني على حجية أمر خاص كظاهر الكتاب قام حجة ولو لم يحصل منه الظن بالواقع لمانع منه وكان الأظهر بناء على القول المذكور هو ذلك فإنه إذا قام الظن مقام العلم قضى بحجية الظن بالطريق أيضا فإنه أيضا من جملة الأحكام الشرعية إلا أن يقال إن المقصود حجية الظن في مسائل الفروع بعد انسداد سبيل العلم بها دون ما يتعلق بالأصول وبيانه أن الطريق إلى استنباط الأحكام من مسائل الأصول فلا يندرج تحت الأصل المذكور وفيه تأمل ويحتمل أيضا على القول الثاني أن يقال بحجية الظنون الخاصة ليكون الحجة نفس الظن الحاصل من الأدلة فيناط حجية الأدلة عنده بالوصف المذكور إلا أنه يوافقه بعض كلماتهم وأن يقال بحجية طرق خاصة وظنيات مخصوصة أفادت الظن بالواقع أو لم يفده وهذا هو التحقيق في المقام إذ ليست حجية الأدلة الشرعية منوطة بحصول الظن منها بالواقع وإنما هي طرق مقررة لإفادة الواقع على نحو الطرق المقررة بالموضوعات في إجراء الأحكام المقررة والنسبة بين القولين على الوجهين الأولين عموم مطلقا كما هو الحال في الوجه الثاني منهما في وجه وكذا الحال في الاحتمال الثالث من الأول مع الثاني وكذا لو قيل بأحد الأمرين بين الأول والأول من الثاني وفي عكسه يكون بينهما عموما من وجه هذا وقد يستشكل في القول الأول بأنه إذا كانت قضيته حكم العقل بعد انسداد سبيل العلم بحجية مطلق الظن وقيامه مقام العلم لزم القول به على الإطلاق فلا وجه لتخصيص بعض الظنون وإخراجه عن العموم المذكور لقيام الدليل عليه لما تقرر من عدم ورود التخصيص على القواعد العقلية وإنما وروده على العمومات اللفظية والقواعد الشرعية ونحوها فكما أن لا تخصيص في الحكم بحجية العلم فكذا لا ينبغي أن يكون الحال فيه في الظن القائم مقامه بعد انسداد سبيله وأنت خبير بأن الإشكال المذكور مشترك الورود بين القولين فإن القائل بحجية الظنون الخاصة يقول بأصالة عدم حجية الظن وأنه لا يقوم شيء من الظنون حجة في حكم العقل إلا ما قام الدليل على حجيته ففي ذلك أيضا التزام بالتخصيص في القاعدة العقلية وقد عرفت الجواب عنه فيما مر وأنه ليس ذلك من التخصيص في شيء وإنما هو اختصاص في حكم العقل فإن مفاد حكم العقل هو عدم حجية كل ظن لم يقم دليل على حجيته والمحكوم عليه بحكم العقل هو الظن الخالي عن الدليل لا مطلقا وكذا الحال في القول الثاني فإن المحكوم عليه بالحجية هو الظن الذي لم يقم دليل على عدم حجيته والظن الذي قام الدليل على عدم حجيته خارج عن الموضوع لا أنه يخرج عنه بعد حكم العقل بحجية الظن مطلقا حتى تكون تخصيصا في حكم العقل نعم هو تخصيص بالنسبة إلى ظاهر التعبير حيث عبر بلفظ عام ثم يخرج عنه ذلك كما هو الحال في التخصيصات الواردة على العمومات النقلية إذ ليس ذلك إلا بحسب ظاهر التعبير دون الواقع إلا ما كان من التخصيص البدائي فإنه تخصيص بحسب الواقع ولا يجري في حكم العقل ولا في شيء من التخصيصات الواردة في الشرع فظهر بما ذكرنا أن ما ذكر من امتناع التخصيص في الأحكام العقلية إنما يراد به التخصيص الواقعي فهو أيضا مستحيل في العمومات الشرعية والتخصيص في التعبير جائز في الصورتين إذ لا مانع من إبداء الحكم على وجه العموم ثم إيراد التخصيص عليه حتى يكون الباقي هو المحكوم عليه بحكم العقل كما في المقام فظهر بذلك أنه لا فرق بحسب الحقيقة بين ورود التخصيص على الحكم العقلي والشرعي غير أنه لما كان المدار في الحكم الشرعي على ظواهر الألفاظ كان علينا الأخذ بالظاهر حتى يتبين المخصص بخلاف حكم العقل فإنه إن قضى بالعموم لم يرد عليه التخصيص وإن لم يورد فلا تخصيص وإنما يلخص التخصيص بحسب تعبير ما عن حكم العقل فهذا هو الفرق بينهما حيث حكموا بعدم جواز التخصيص في حكم العقل دون غيره ويستفاد من كلام بعض الأفاضل في الجواب عن الإيراد المذكور وجوه أخر موهونة أحدها أنا لا نلتزم بالتخصيص بل نقول بعدم انسداد باب العلم بحجية جميع الظنون وما دل على عدم حجية القياس أو نحوه فإنما هو قبل انسداد باب العلم وأما بعده فلا فرق بين الظن الحاصل منه ومن غيره وأنت خبير بما فيه إذ المنع من العمل بالقياس في عصرنا وما شابهه من الإجماعيات عند الشيعة وما شابهه من الإجماعيات عنده بل لا يبعد دعوى الضرورة عليه فالتزام العمل حينئذ مما لا يقول به أحد والظان المجيب لا يعمل به أيضا ثانيها المنع من حصول الظن من القياس ونحوه وكذلك علة منع الشارع من الأخذ به وهو كما ترى إذ حصول الظن من القياس ونحوه من الأمور الوجدانية التي لا مجال لإنكارها ثالثها أن مورد القياس ونحوه لم يثبت انسداد باب العلم بالنسبة إلى مقتضاها فإنا نعلم بالضرورة من المذهب حرمة العمل بمؤدى القياس فيعلم أن حكم الله غيره وإن لم نعلمه أي شيء هو ففي تعيينه ترجع إلى سائر الأدلة وإن كان مؤداها عين مؤداه وملخص هذا الجواب خروج مورد القياس ونحوه عن محل الكلام فإن البحث فيمن سد فيه باب العلم والمفروض عدم انسداد باب العلم بالنسبة إليه فلا تخصيص ويمكن أن يرجع ذلك أيضا إلى عدم إفادتها الظن نظرا إلى قيام الدليل القاطع على عدم حجيته فكيف يفيد الظن بمقتضاه مع قيام القاطع على خلاف ما يقتضيه وفيه أن الذي لم ينسد فيه باب العلم هو حرمة العمل بالقياس إلى عدم موافقة مؤداه للواقع فالأخذ به أخذ بغير العلم لا أخذ بخلاف الواقع فتفريعه العلم بكون حكمنا غير مؤدى القياس على العلم الحاصل من الضرورة على حرمة العمل به إن أراد به حصول العلم من حرمة العمل بالقياس أن حكم الله بالنسبة إلينا عدم الاعتماد على القياس والاتكال عليه في استنباط الحكم فلا يجوز لنا الأخذ بمؤداه من حيث إنه مؤداه وإن جاز الأخذ به من حيث كونه مؤدى بدليل آخر فهو كذلك إلا أنه لا ربط بالجواب عن الإيراد المذكور فإن ذلك عين مفاد حجية القياس وحاصل الإيراد أنه إذا قضى العقل بعد انسداد سبيل العلم بالواقع بقيام الظن مقامه لم يتجه عدم الاعتماد على الظن الحاصل من القياس