الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

384

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

من غير طريان تخصيص عليها وكيف يتوهم لزوم التخصيص في تلك القاعدة من جهة حجية بعض الظنون مع أن الأخذ به من بعد انتهائه إلى اليقين أخذ باليقين دون الظن فإن قلت إذا أخذ الظن في بعض مقدمات المطلوب كانت النتيجة تابعة للأخس فكيف يدعى كونها قطعية في المقام مع أن المفروض كون بعض مقدماتها ظنية قلت فرق بين أخذ القضية الظنية في المقدمات وأخذ الظن بها فيها إذ لا شك في كون الثاني من الأمور المعلومة الوجدانية والمأخوذ في المقام إنما هو الثاني دون الأول والحاصل أن المدعى عدم حجية الظن من حيث هو والظن الذي دل الدليل القاطع أو المنتهي إلى القطع عليه ليس من هذا القبيل إذ ليس الحجة حينئذ في الحقيقة هو ذلك الظن بل الدليل القاطع الدال عليه فيرجع الأمر حينئذ إلى العلم وكذا الحال لو قلنا بقيام الدليل القاطع على حجية مطلق الظن فإن الحكم هناك إنما يتبع ذلك الدليل القاطع لا مجرد الظن الحاصل المتعلق بثبوت الحكم وهو ظاهر وربما يتوهم متوهم حجية الظن من حيث هو ظن من دون انتهائه إلى اليقين وهو ضعيف سخيف قد ظهر فساده مما بيناه وربما يؤول كلام قائله بما يرجع إلى ما ذكرناه رابعها أن المناط في وجوب الأخذ بالعلم وتحصيل اليقين من الدليل بل هو اليقين بمصادفة الأحكام الواقعية الأولية إلا أن يقوم الدليل على الاكتفاء بغيره أو أن الواجب أولا هو تحصيل اليقين بتحصيل الأحكام وأداء الأعمال على وجه إرادة الشارع منا في الظاهر وحكم به قطعا بتفريغ ذمتنا بملاحظة الطرق المقررة لمعرفتها مما جعلها وسيلة للوصول إليها سواء علم مطابقته بالواقع أو ظن ذلك أو لم يحصل به شيء من العلم والظن أصلا وجهان والذي يقتضيه التحقيق هو الثاني فإنه القدر الذي يحكم العقل بوجوبه ودلت الأدلة المتقدمة على اعتباره ولو حصل العلم بها على الوجه المذكور لم يحكم العقل قطعا بوجوب تحصيل العلم بما في الواقع ولم يقض شيء من الأدلة النقلية بوجوب تحصيل شيء آخر وراء ذلك بل الأدلة الشرعية قائمة على خلاف ذلك إذ لم يبين الشريعة من أول الأمر على وجوب تحصيل كل من الأحكام الواقعية على سبيل القطع واليقين ولم يقع التكليف به حين انفتاح سبيل العلم بالواقع وفي ملاحظة طريقه السلف من زمن النبي والأئمة عليهم السلام كفاية في المقام إذ لم يوجب النبي صلى اللَّه عليه وآله على جميع من في بلده من الرجال والنسوان السماع منه بجميع الأحكام أو حصول التواتر إلى آحادهم بالنسبة إلى آحاد الأحكام أو قيام القرينة القاطعة على عدم تعمد الكذب أو الغلط في الفهم أو في سماع اللفظ بالنظر إلى الجميع بل لو سمعوه من الثقة اكتفوا به والقول بإفادة قول الثقة القطع بالنسبة إلى السامع منه بطريق المشافهة نظرا إلى أن العلم بعدالته والوقوف على أحواله يوجب العلم العادي بعدم اجتزائه على الكذب كما هو معلوم عندنا بالنسبة إلى كثير من الأخبار العادية سيما مع انضمام بعض القرائن القائمة جازمة بينة إذ بعد فرض المعرفة بالعدالة بطريق اليقين ومع اعتبارها في الشرع المبين كيف يمكن دعوى القطع مع انفتاح أبواب السهو والنسيان وسوء الفهم سيما بالنسبة إلى الأحكام البعيدة عن الأذهان كما نشاهد ذلك في أفهام العلماء فضلا عن العوام مضافا إلى قيام احتمال النسخ في زمن النبي صلى اللَّه عليه وآله في كل آن ومع ذلك لم يوجب على جميع أهل بلده التجسس بما يفيد العلم لعدمه في كل زمان بل كانوا يبنون على الحكم الوارد إلى أن يصل إليهم نسخه هذا كله بالنسبة إلى البلدة التي فيها الرسول أو الإمام عليهم السلام فكيف بالنسبة إلى سائر الأماكن والبلدان سيما الأقطار البعيدة والبلاد النائية ومن الواضح أنه عليه السلام كان يكتفي منهم بالأخذ بالأخبار الواردة عليه بتوسط الثقات كما تدل عليه آية النفر والطريقة الجارية المستمرة المقطوعة ولم يوجب صلى الله عليه وآله يوما على كل من لم يتمكن من المهاجرة نحوه أو أخذ الأحكام على سبيل التواتر ونحوه وكذا الحال في الأئمة عليهم السلام وذلك أمر معلوم من ملاحظة أحوال السلف والرجوع إلى كتب الرجال وإنكاره يشبه إنكار الضروريات وليس ذلك إلا للاكتفاء بالأخذ بطريق ظنه ودعوى حصول العلم بالواقع من الأمور البعيدة خصوصا بالنسبة إلى البلاد النائية سيما بعد ما كثرت الكذابة على النبي والأئمة صلوات الله عليهم حتى قام صلى الله عليه وآله خطيبا في ذلك ونادى به الأئمة عليهم السلام كما يظهر من ملاحظة الأخبار وما يتراءى من دعوى السيد وغيره إمكان حصول القطع بالأحكام في تلك الأعصار مما يقطع بخلافه ويشهد له شهادة الشيخ رحمه الله وغيره بامتناعه والظاهر أن تلك الكلمات مؤولة بما لا يخالف ما قلناه لبعد تلك الدعوى عن أضرابه ومما ينادي بعدم بناء الأمر على تحصيل القطع ملاحظة حال العوام مع المجتهدين فإن من البين عدم تحصيل القطع عليهم لفتاوي المجتهد على حسب المكنة بل يجوز لهم الأخذ عن الواسطة العادلة مع التمكن من العلم بلا ريبة وعليه جرت طريقة الشيعة في سائر الأزمنة بل الظاهر أنه مما أطبقت عليه سائر الفرق أيضا وهل كان الحال في الرجوع إلى النبي صلى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السلام إلا كحال العوام في هذه الأعصار في الرجوع إلى المجتهدين وبملاحظة جميع ما ذكرناه يحصل القطع بتجويز الشارع العمل بغير العلم في الجملة مع انفتاح طريق العلم سيما مع ملاحظة ما في التكليف بالعلم في خصوصيات الأحكام من الحرج التام بالنسبة إلى الخواص والعوام وهو مما لا يناسب هذه الشريعة السمحة السهلة التي رفع عنها الحرج والمشقة ووضعت على كمال اليسر والسهولة ويشهد بذلك أيضا ملاحظة الحال في موضوعات الأحكام فإنه اكتفى الشارع في إثباتها بطرق مخصوصة من غير التزام بتحصيل العلم بها بالخصوص لما فيه من الحرج والمشقة في كثير من الصور فإذا كان الحال في الموضوعات على الوجه المذكور مع تحصيل العلم بها أسهل فذلك بالنسبة إلى الأحكام أولى وأيضا من الواضح كون المقصود من الفقه هو العمل وتحصيل العلم به إنما هو من جهة العلم لصحة العمل وأدائه مطابقا للواقع ومن البين أن صحة العمل لا يتوقف على العلم بالحكم كما لا يتوقف على العلم بالموضوع والاقتصار على خصوص العلم بالنسبة إلى الحكم لا يثمر العلم بصحة العمل بالنظر إلى الواقع مع الاكتفاء بغيره في تحصيل الموضوع وليس المتحصل للمكلف حينئذ بالنسبة إلى العمل إلا العلم بمطابقة العمل لظاهر الشريعة والقطع بالخروج عن العهدة في حكم الشارع فينبغي أن يكون ذلك هو المناط بالنسبة إلى العلمين فتحصل مما قررنا كون العلم الذي هو مناط التكليف أولا هو العلم بالأحكام من الوجه الأول من الوجه المقرر شرعا لمعرفتها والوصول إليها والواجب بالنسبة إلى العمل وأدائه على وجه يقطع معه بتفريغ الذمة في الحكم الشرعي سواء حصل العلم بأدائها على طبق الواقع أو على طبق