الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
380
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
ولو أريد إخراج رجلين من الأولين ورجلين من الثاني كان من قبيل الوجه الرابع ومن ذلك ما لو كان المستثنى مشتركا لفظيا وأريد به مجموع المعنيين على أن يكون المخرج من الأول أحدهما ومن الثاني وقد يقال إن أداة الاستثناء إنما وضعت لإخراج المستثنى عن المستثنى منه فإن عاد الاستثناء إلى الجميع لزم أن يراد إخراج جميع المستثنى من كل من الأمرين فإرادة إخراج البعض خارج عما يقتضيه وضع الاستثناء فإذا أريد من العبارة ذلك فلا بد أن يلحظ المستثنى منه شيئا منتزعا من العامين فيلحظ إخراج ذلك بالنسبة إليه وهو خارج عن محل النزاع وفيه أنه يمكن أن يقال بأن أداة الاستثناء موضوعة لمطلق الإخراج لمدخولها من العموم سواء أريد إخراج المستثنى من كل من العمومين أو من أحدهما أو إخراج مجموعة من العمومين معا على وجه التقسيط فيكون ما استعمل فيه هو إخراج واحد متعلق بالمجموع عن العمومين معا كما أن إخراجه عن كل منهما إخراج واحد متعلق بكل منهما حسبما يأتي توضيح القول فيه إن شاء الله إلا أن القول بعموم وضع الاستثناء لما ذكر محل خفاء وأنت خبير بأن هذا الوجه من الصلوح لو تم فهو خارج عن ظاهر المفروض في كلام القوم فإن الظاهر مما عنونوه للمبحث كون المستثنى بتمامه مخرجا من كل من العمومين ويمكن أن يقال إن كون المستثنى مخرجا عن كل منهما إنما يتصور فيما إذا كان المستثنى بنفسه مندرجا في العامين كما مر في المثال المتقدم فيما يكون المستثنى شخصا معينا مندرجا فيهما أو كان مفهومه مطلقا مندرجا فيهما معا وأما إذا كان بعض مصاديقه مندرجا في الأول وبعضها في الآخر فلا محالة يكون رجوع المخصص إلى العامين على وجه التقسيط فإن من أهانك في المثال المتقدم يعم من أهانه من العلماء والصلحاء وقد حصل تخصيص العلماء بمن أهانه من العلماء والصلحاء بمن أهانه من الصلحاء وبعد قسط المستثنى على العامين وحصل تخصيص كل منهما ببعض مصاديق المستثنى المفروض ولو كان المستثنى حينئذ عاما لغويا فالأمر أظهر لكون المخصص لكل من العمومين بعض جزئيات ذلك العام فعلى هذا يكون عده ما عد صالحا في المقام للرجوع إلى الجميع من قبيل الوجه المذكور فكيف يقال بخروجه عن ظاهر كلام القوم وفيه أنه للشمول المستثنى للأمرين على أن يكون ذلك مأخوذا في معناه كيف ولو كان كذلك وقلنا برجوعه إلى الأخيرة لزم عدم ارتباط بعض مدلوله بالمستثنى منه ليمكن إخراجه عنه بل المستثنى في المقام مفهوم واحد قد لوحظ مخرجا عن كل من العمومين بناء على رجوعه إلى الجميع غاية الأمر اختلاف مصداقه واقعا بملاحظة الأمرين وذلك لا يقضي باختلاف نفس المعنى ومدلوله في المقامين فمفهوم المستثنى في المقامين شيء واحد لا اختلاف فيه أصلا قد لوحظ مخرجا عن كل من العمومين وأين ذلك عن كونه بعض مسماه مخرجا عن أحدهما وبعضه الآخر من الآخر فإن قلت إنه يلزم على ذلك أن يكون قد أطلق ذلك اللفظ تارة على مصداق منطبق على مفهومه وعلى مصداق آخر كذلك فيكون الإطلاق المفروض منزلا منزلة إطلاقين نظير استعمال المشترك في معنييه فيكون إرادة ذلك مبنية على القول بجواز مثل ذلك قلت ليس الحال كذلك وإنما استعمال اللفظ في المقامين في مفهومه الوحداني وإنما يأتي الاختلاف المفروض بملاحظة ضمه إلى العام المخرج منه من غير أن يلحظ ذلك في إطلاق اللفظ واستعماله في معناه فتأمل قوله ثم يشيرون في باقي أنواع المخصصات إلى آخره ظاهر كلامه يومي إلى الاتفاق على عدم الفرق وهو محل تأمل بل قد حكي القول بالفرق في الجملة عن بعضهم والذي يقتضيه التأمل في المقام هو الفرق وسيجيء تفصيل الكلام فيه في آخر المسألة إن شاء الله تعالى قوله للجمل المتعاطفة لا يخفى أن كون الجمل متعاطفة مما لم يؤخذ في عنوان المسألة فكان القائل بعوده إلى الجميع نظرا إلى اتصال الجملتين من جهة العطف وأنت خبير بأن اتصال الجملتين لا يتوقف على العطف على اعتباره ذلك في سائر الأقوال أيضا كما هو ظاهر تقريره أيضا مما لا وجه له أيضا كيف والعود إلى الأخير مع عدم اتصال الجملتين أولى إلا أن يقال بخروج ذلك عن محل الخلاف كما قد يومي كلام العضدي حسبما أشرنا إليه وهو لا يلائم إطلاقه الأول ثم إن تقرر النزاع في الجمل يومي إلى كون النزاع هنا دون المفردات مع أن المذكور في العنوان ما يعمها والمفردات قول يحمل ذلك في كلامه وكلام غيره فمن عنون البحث في الحمل على المثال إلا أنك قد عرفت تنصيص بعضهم على خروج المتعقب للمفردات عن محل النزاع قوله ظاهر في رجوعه إلى الجميع التعبير المذكور هنا في القول الآتي أعم من دعوى الوضع لخصوص الإخراج عن الجميع أو الأخيرة أو ظهور الإطلاق فيه ولو بالقول بوضعه للأعم لكن قضيته المقابلة بين الأقوال المذكورة كون المقصود من الظهور في المقام هو الظهور الوضعي دون الانصرافي وعليه فيمكن تصوير النزاع في المقام بوجهين أحدهما أن يكون الخلاف في وضع الأداة حالكونها متعقبة للجمل المتعددة ونحوها بأن يقال حينئذ بوضعها للإخراج عن الجميع أو الأخيرة وإن كان أصل وضعها لمطلق الإخراج حيث إنها لو وقعت عقيب جملة واحدة كانت حقيقة في الإخراج عنها قطعا ثانيهما أن يكون البحث هنا من جهة الهيئة التركيبية وذلك بأن يقال بوضع الأداة لإفادة الإخراج المطلق أو لجزئياته من غير ملاحظة لوروده عقيب المتعدد أو الواحد أو لرجوعها في الفرض الأول إلى الآخر أو الجميع فيكون النزاع في وضع الهيئة التركيبية الطارية على الاستثناء الوارد عقيب المتعدد لإفادة الرجوع إلى الجميع أو الأخيرة واشتراكها بين الأمرين وكون الأداة موضوعة بإزاء المعنى الجزئي الرابطي لا يستلزم ملاحظة الخصوصية المذكورة في وضعها فيكون الإخراج الرابطي مستفادا من الأداة وخصوصية رجوعها إلى الجميع أو الأخيرة من الهيئة المذكورة وعلى القول بعدم وضع الهيئة لا يكون المستفاد من الأداة سوى الإخراج المطلق من غير إفادة لأحد الخصوصيتين على ما هو أحد الأقوال في المقام فيكون محصل البحث أن الهيئة التركيبية هل وضعت لإفادة تعلق الإخراج الرابطي المدلول عليه بالأداة بالجميع أو بخصوص الأخيرة أو لم يوضع لشيء من الأمرين وإنما الموضوع خصوص الإفادة مطلق الإخراج من غير الدلالة على شيء من الخصوصيتين قوله وفسر بعضهم بكل واحد كان إسناده التفسير المذكور إلى البعض يشير إلى عدم تعين الحمل عليه إذ قد يقول القائل المذكور بغيره أو الأعم منه وتوضيح المقام أن رجوع الاستثناء إلى الجميع يتصور على وجوه أحدها أن يكون راجعا إلى المجموع بأن يكون المستثنى مخرجا من مجموع المذكورات فيقسط ذلك عليها كأن يراد من قوله لزيد علي مائة ولعمرو خمسون ولبكر أربعون إلا خمسة عشر إخراج الخمسة عشر من مجموع المذكورات