الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

377

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

كل من الجزئيات المندرجة تحته تضمنية إما مطلقا أو في خصوص العام المجموعي إذ كونه مدلولا في ضمن الكل لا يقضي بكونه مدلولا مع الانفراد أيضا بل دلالته على الجزء في ضمن الكل ليست على وجه الحقيقة وإن اتحدت الدلالتان إذ مناط اختلافهما هو اختلاف الاعتبار كاف فهي خارجة عن كونها في وجه الحقيقة بذلك الاعتبار والذي يتميز به عن المطابقة حسبما مر الكلام فيه في محله قوله إنه يسبق إلى الفهم إذ مع القرينة إلى آخره كأنه أراد بذلك أن الباقي سبق إلى الفهم بعد قيام القرينة على خروج المخرج من دون حاجة إلى قيام قرينة على إرادته فلو كان مجازا لتوقف على قيام قرينة معينة له بين المجازات لتعدد في المقام فلا باعث على الفهم سوى الوضع ويدفعه حينئذ أن أقربية المجاز كافية في الانصراف إليه حسبما مر الكلام فيه في محله ومع الغض عن ذلك فمراتب الباقي مختلفة بحسب اختلاف المخصصات الواردة عليه فالمفروض أنه حقيقة في الجميع عند القائل المذكور إذ لا تخصيص دعواه بمرتبة دون أخرى فأي داع في انصرافه إلى تمام الباقي بعد إخراج المخرج فما يجعل قاضيا بذلك على فرض كونه حقيقة يجعل ذلك شاهدا على تعيين المجاز أيضا قوله إن تناول اللفظ له قبل التخصيص إنما كان مع غيره إلى آخره يمكن حمله على كل من الوجهين المقدمين بأن يراد به كون الباقي مدلولا له هنا في ضمن الكل على وجه التضمن وقد صار مدلولا في المقام على وجه المطابقة فكون التناول هناك على وجه الحقيقة لا يستدعي كونه هناك على وجه الحقيقة أيضا نظرا إلى اختلاف المدلولين إذ المدلول هناك هو الكل وإنما يكون الباقي مدلولا عليه بمدلوليته بخلاف المقام وقد عرفت ما يرد عليه وقد يراد به أن كون دلالته على الباقي على وجه الحقيقة حال انضمامه إلى الغير لا يقضي بكون الدلالة عليه كذلك حال عدمه فكونه حقيقة في الصورة الأولى لا يستلزم كونه حقيقة في الثانية وقد عرفت ما يرد عليه أيضا ولا يساعد حمله على ذلك ما سنذكره في الجواب عن الاعتراض المذكور قوله ليس باعتبار تناوله للباقي إلى آخره مبني الاحتجاج والاعتراض المذكور على كون شمول العام لكل من الجزئيات المندرجة تحته على سبيل الحقيقة لإطلاقه على جميع مصاديقه الحقيقية ومبنى الجوابين المذكورين على نفي ذلك وكونه حقيقة بالنسبة إلى الجميع خاصة كما هو صريح هذا الجواب والظاهر من الجواب على أصل الدليل قوله يكون النزاع في لفظ العام إلى آخره لا يخفى أنه لا يتم ذلك في لفظ العام أيضا فإن اللفظة موضوعة أيضا للشمول ويختلف ذلك بحسب اختلاف الأمر المشمول فقد يكون ذلك منحصرا وقد يكون غير منحصر وقد لا يصدق معناه مع عدم الانحصار قوله ولا الأخير فلكونه موضوعا وفاقا من الخصم كأنه يشير بذلك إلى خصم معين كأن يقول بذلك وإلا فليس كل من يقول بكون التخصيص مطلقا قسما من المجاز يقول بكون الابتناء إلى ما ورد على اسم العدد غير قاض بالمجازية كيف والمعزى إلى الأكثر كون المستثنى منه مجازا عن الباقي مطلقا قوله إن كلا من المذكورات يفيد تصوره توضيح ذلك أن التقييد بالوصف أو غيره من المخصصات المتصلة كسائر التقييدات الواردة في الكلام فكما لا يوجب ذلك تجوزا فيما وردت عليه فكذا في المقام وإنما خص الأمثلة المذكورة بالذكر للاتفاق على عدم شمول التجوز في الأولين ودعوى موافقة الخصم على الأخير فكما أن لفظة مسلم مع الإطلاق موضوعة للطبيعة المطلقة وبعد ورود اللام عليه بكون الطبيعة المتعينة ومع تقييده بعلامة الجمع للطبيعة الحاصلة في ضمن الجماعة مع تقييده بالاستثناء المذكور للألف المخرج من خمسين من دون حصول تجوز في تلك الألفاظ فكذا الحال في التخصيص المتصل الوارد على العمومات لورود الجميع على وجه واحد فلو كان إخراج اللفظ عن إطلاقه بسبب ضم الضمائم فأصل المجازية جرى في الجميع وإلا فلا يجوز في الكل قوله إلا أن المجموع في العرف يعد كلمة واحدة لا يخفى ذكره من كون لفظ مسلمون ونحوه موضوعة بوضع واحد خلاف التحقيق إذ الأظهر كون علامة الجمع موضوعة بوضع جزئي مستقل كما مرت الإشارة إليه ومع الغض عن ذلك فأقصى الأمر أن يتم الجواب المذكور بالنسبة إليه وأما بالنسبة إلى لفظة المسلم فلا وجه له أصلا إذ عدها في العرف لفظا واحدا لا يفيد شيئا في المقام مع تعدد كون الموضوع له للفظة مسلم شيئا وكون المراد به بعد ضم اللام شيئا آخر إذ لو كان البيان المذكور مقيدا لمتعلق وضع آخر بالمجموع ثم ما ذكره وليس كذلك لوضوح تعدد الوضع المتعلق باللفظين والتجوز إنما يتبع الخروج عن الوضع كما هو المفروض في المقام فأي فائدة في عدها لفظا واحدا بحسب العرف قوله مبني على أن المراد به تمام المدلول لو صح الكلام المذكور في ذلك جرى في محل النزاع لكون الاستثناء في المقامين على وجه واحد وقوله إن المفروض إرادة الباقي من لفظ العام غير واضح إذ القدر المفروض كون الباء مقصودا بالإفادة وأما كونه مستعملا فيه بخصوصه فلا كيف ولو كان كذلك لما كان النزاع فيه مقبولا بعد فرض اختصاص اللفظ وضعا للعموم حسبما أشرنا إليه فتأمل [ أصل في حجية العام المخصص في الباقي ] قوله الأقرب عندي أن تخصيص العام لا يخفى أن ظاهر إطلاقهم في العنوان ثبوت الخلاف في حجية العام المخصص مطلقا سواء كان التخصيص بطريق الإخراج من غير تعيين للباقي أو بتعيين الباقي في بعض أفراده متصلا كان كالتخصيص بالوصف أو الشرط ونحوهما أو منفصلا كما إذا فسر العام بالخاص والظاهر كما تبين من ملاحظة الأدلة اختصاص الخلاف بالصورة الأولى وأما الثانية فلا مجال للخلاف فيه لوضوح دلالته وصراحته في تعيين المراد بالعام ولا خلاف أيضا في عدم حجية العام المخصص بالمجمل مع تسرية احتماله إلى العام مطلقا كما في أكرم القوم إلا بعضهم لو أردت به بعضهم ومن ذلك ولو قضى بإجمال بعض الأنواع المندرجة في العام سقط العام عن الحجية بالنسبة إليه كما قيل اقتل المشركين إلا بعض اليهود ولو صدق المخصص حينئذ على الأقل والأكثر لم يقتصر فيه على الأقل فيحكم بالرجوع إلى حكم العام بالنسبة إلى الباقي قوله لنا القطع إلى آخره وقد يحتج عليه بوجوه أخر منها أن المقتضي للحجة في الباقي موجود والمانع مفقود فوجب حصوله أما الأول فلوجود اللفظ الموضوع للعموم وهو مقتض لثبوت الحكم لجميع أفراده التي من جملتها الباقي وأما الثاني فلأن قضية التخصيص نفي الحكم الواقع من المتكلم من محل التخصيص وظاهر أن نفيه في مورد التخصيص لا يفيد من غيره ولذا يصح التصريح بانتفاء الحكم في محل التخصيص وثبوته فيما عداه كيف ولو أفاد التخصيص نفيه من غير محل التخصيص أيضا هذا خلف وفيه المنع من وجوه لأن المقتضي لإفادة الحكم في الباقي هو العام على فرض إرادة العموم منه وأما مع عدم إرادته كما هو المفروض في المقام فلا ويمكن الذب بأنه إنما يتم ذلك لو قلنا بعدم إرادة العموم من اللفظ وحصول الإخراج عن الحكم وأما لو قلنا باستعماله في العموم تعلق الإخراج بالحكم كما مر في الاستثناء فلا يتم ذلك إذ لا يمكن دفع وجود المقتضي حينئذ نعم لا يتم ذلك في جميع المخصصات ومنها أن العام متناول لكل أفراده وكونه حجة في كل واحد منها ليس متوقفا