الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

365

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وإن أريد دعوى الاتفاق على وضعه له ثم إن الظاهر مما حكي عن النحاة من نفي دلالتها على العموم أنهم أرادوا عدم دلالتها على نفي التثنية والجمع ولذا قالوا بجواز ليس عندي رجل بل رجلان فإنه قاض بعدم دلالتها على نفي الزائد على الواحد ومرجع ذلك إلى اختلاف معنى النكرة فإن المراد بالنكرة إن كان مطلق الجنس كما في لا رجل فقد نصوا بإفادته العموم وإن كان المراد بها الواحد المطلق كما في ما من رجل فقد قالوا به أيضا وإن أريد بها الواحد العددي المقابل للتثنية والجمع منعوا من دلالتها على العموم يعني بالعموم بالمعنى المذكور وأما دلالته على العموم بالنسبة إلى الآحاد أعني نفيه جميع الوحدات العددية على نحو إفادة النكرة بمعناه الآخر لجميع الوحدات المندرجة منها فالظاهر أنهم يقولون به ولذا لا يجوز ليس عندي رجل بل زيد فليس اختلافهم في المقام من جهة عدم دلالتها على العموم بالنسبة إلى ما يصدق عليه بل من جهة اختلاف معنى النكرة وهي على الوجهين يفيد نفي جميع مصاديقها فيفيد نفي جميع الوحدات المطلقة في الأولين ويفيد نفي جميع الوحدات العددية في الثالث فالبحث معهم حينئذ في مدلول النكرة والظاهر من ملاحظة الاستعمالات العرفية كون المنساق من النكرة في مدخولة ليس ومشابهتاه أيضا هو الواحد المطلق فلذا قلنا بظهورها في العموم على نحو الأولين وإن قام فيه الاحتمال المذكور دون الأولين وهم قالوا بعدم دلالتها على ذلك إما لدعوى ظهورها في الواحد العددي أو لدورانها بين الوجهين فينبغي دلالتها على الوجه المذكور من جهة قيام الاحتمال المساوي لفهم العرف كما عرفت بدفع ما ذكروه نعم لو ذكر بعده الإضراب المذكور دل على إرادة الواحد العددي والظاهر أنه لا يجوز في النكرة حينئذ وإن كان ذلك خلاف الظاهر فإن الظاهر كون النكرة حقيقة في الصورتين عند الإطلاق إلى الأول وقد مر الكلام فيه هذا ولنتمم الكلام في المرام بذكر أمور أحدها أنه يختلف الحال في الصورتين وضوحا وخفاء في الدلالة على العموم فالكائنة بعد لا النافية للجنس نحو لا رجل وما زيد عليهما من الزائدة نحو ما من رجل في الدار وما كانت النكرة مثل لفظ بد وديار وأحد إذا كان اسما لا وصفا مما لا يستعمل إلا مع النفي صريحة في العموم وألحق بها ما إذا كانت النكرة صادقة على القليل والكثير على نحو واحد كالشئ والماء والدهن والدبس ونحوها وقد نبه عليه الشهيد رحمه الله في التمهيد والكائنة بعد ليس وما ولا المشابهتين لها ظاهرة فيه قالوا والفرق بين القسمين أنه لا يصح إثبات الزائد على الواحد في الأول بخلاف الثاني فلا يقال لا رجل عندي بل رجلان أو ما من رجل عندي بل رجلان بخلاف ليس عندي رجل بل رجلان أو رجال وأنت خبير بأن نصوصية الأول وظهور الثاني إنما هي في الدلالة على العموم مطلقا وأما الدلالة على العموم بالنسبة إلى المعنى المراد بالنكرة ولا فرق بينهما في ذلك حسبما مرت الإشارة نعم يمكن أن يقال إن النكرة في قولك ليس عندي رجل يحتمل أن يراد به الفرد المعين في الواقع المبهم عند المخاطب كما في النكرة الواقعة في الخبر المثبت على ما نص عليه بعضهم فيما مر ولا دلالة فيها على العموم أصلا فظهورها في العموم إنما هو من جهة قيام الاحتمال المذكور في الصورة الثانية بخلاف الأولى ويشكل ذلك أن الاحتمال المذكور أبعد الوجوه في النكرة في المقام وربما لا يكون قيام مثل هذا الاحتمال منافيا للنصوصية ولذا لم يعلل الحكم بالظهور بذلك في كلامهم وكيف كان فقيام هذا الاحتمال هنا قاض بالاختلاف في وضوح الدلالة لو سلم عدم إخراجه لها عن النصوصية في الجملة هذا وألحق بعضهم بالأول النكرة الواقعة بعد لم ولن وهو غير متجه لقيام ما ذكر من الاحتمال بالنسبة إليهما أيضا إذ لا مانع من أن يقال لم يجئني رجل بل رجلان ومثله الواقع بعد ما النافية للفعل نحو ما جاءني رجل بل رجلان ويقوم فيهما الاحتمال الأخير أيضا فالأظهر إلحاق الجميع بالظاهر في العموم المطلق ثانيها أنه يجري ما ذكرناه في النكرة الواقعة في سياق النفي من الدلالة على العموم بالنسبة إلى الواقعة في سياق النهي نحو لا تضرب أحدا ولا تشتم رجلا وهي أيضا مختلفة في وضوح الدلالة فإن كانت النكرة مما لا يقع إلا بعد النفي وما بمعناه نحو لا تضرب أحدا ولا تقتل ديارا كان أوضح في الدلالة وكذا لو اشترك القليل والكثير في الاسم نحو لا تعط زيدا شيئا وأما نحو قولك لا تضرب رجلا فهو دونه في الوضوح ويقوم فيه احتمال إرادة الوحدة العددية فيعقبه بقوله بل رجلين إلا أنه بعيد لكنه يفيد العموم بالنسبة إلى معناه حسبما مر ويحتمل أيضا على بعد إرادة النكرة إلا بماهيته فلا دلالة فيه إذن على العموم أصلا وقد عرفت بعد إرادة ذلك من النكرة جدا ثم إنه يجري ما ذكرنا في النكرة المتعقبة للنهي وغيره ويجري في النكرة الواحدة والمتعددة تقول لا تعط من شتمك وشتم أباك درهما ولا تعط رجلا أهانك درهما ثالثها أن النكرة الواقعة في سياق الاستفهام يفيد العموم أيضا على ما صرح به بعضهم كما في قولك هل أكرمت رجلا فمفاده السؤال عن جميع آحاد الرجال أنه وقع الإكرام عليه لكن على سبيل البدل فالمسئول هو إكرام الواحد وإن وقع السؤال عن الكل ويتفرع على ذلك أنه لوقوع السؤال عن الماء القليل أنه هل ينجس شيء فقال لا أفاد عدم تنجس شيء من الأشياء فإنه لما وقع السؤال عن كل نجاسة يكون لا جوابا بالنسبة إلى كل منها ليطابق السؤال ويمكن أن يجعل ذلك من قبيل النكرة المقدرة في سياق النفي أي لا ينجسه شيء فلا حاجة إلى ملاحظة ذلك نعم لو قال لا ينجسه ما سئلت عنه انحصر في الوجه الأول فتأمل رابعها أنهم اختلفوا في دلالة النكرة الواقعة في سياق الشرط على العموم فحكى الشهيد ره في التمهيد عن جماعة من الأصوليين ذلك قال وبه صرح الجوهري في البرهان وتابعه الأنباري في شرحه واقتضاه كلام الآمدي والمختار عند آخرين عدم إفادته العموم نعم لو انضم إليه قرينة المقام كما في قوله وقوله أفاد ذلك ولا كلام فيه وفرعوا عليه ما إذا قال للوصي إن ولدت ذكرا فله الألف وإن ولدت أنثى فلها مائة فولدت ذكرين أو أنثيين فيشترك الذكران في الألف والأنثيان في المائة لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر فيكون عاما قيل إنه على العموم تعطى كالواحد من الذكرين ألفا ومن الأنثيين مائة إذ المعنى كل من ولدته فله كذا وبدونه تشتركان في العين ولا يخص أحدهما لانتفاء الأولوية ويحتمل حينئذ القول بثبوته للواحد ولا يستخرج بالقرعة أو يقال بتخيير الوصي حينئذ في الدفع إلى أي منهما ويحتمل أيضا سقوط الوصية فلا يعطى شيء لتعلق الوصية بولادتها ذكرا واحدا أو أنثى واحدة لظهور اللفظ في الوحدة فمع انتفائها ينتفى