الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

363

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في المقام يرجع إلى العموم على الوجه الثالث حسبما يأتي بيانه إن شاء الله فيتحقق الحنث بشرب البعض قطعا ثم إنك قد عرفت أن ما ذكره من قضاء أصالة البراءة عن الزائد بحمله على المعهود ليس جاريا في جميع الموارد ولا يريد أن الاحتجاج بها على ذلك كلها بل إنما أراد به قضاء الأصل به في الجملة كما عرفت الحال فيه في الأمثلة المتقدمة فلا يريد عليه عدم جريانه في المثال المذكور لكون حمله للعموم هنا أوفق بالأصل إذ لا يجب عليه حينئذ ترك شرب شيء من المياه فالإيراد عليه بأن لزوم الكفارة في الحنث يعنى عند شرب البعض عند إرادة العهد مخالف لأصل البراءة ليس على ما ينبغي وما ذكر في توجيه قضاء أصالة البراءة بحمله على العهد من أنه لو حمل على المعهود المتعارف يحصل الحنث بشرب بعض المياه فينحل اليمين فلا يبقى مانع من الشرب بخلاف ما لو حمل على العموم لعدم انحلال اليمين أغرب شيء لوضوح أن ما يشرب بعد الانحلال وقبله أنه هو بعض من المياه فعلى العموم لا مانع منه قبل الانحلال لا بعده فكيف يصح بذلك كون العموم موافقا للأصل دون العهد على أن الأصل بعد ثبوت التكليف عدم ارتفاعه عن المكلف إلا بعد قيام الدلالة فالحكم بارتفاع التكليف بمجرد الاحتمال من جهة الأصل المذكور غير متجه بل قضية الأصل حينئذ خلافه ثم إنه لا يخفى أن تعلق التكليف بترك شيء يستحيل صدوره من المكلف كالطيران في الهواء واجتماع النقيضين مما لا وجه له فانعقاد النذر على الوجه المذكور غير متجه فهو أقوى دليل على عدم إرادة العموم في المثال على الوجه المذكور وأصالة حمل فعل المسلم على الصحيح يقتضي عدم قصده ذلك من غير حاجة إلى ملاحظة ما ذكر لو صح التمسك به هذا وما ذكره في الفرع الثاني أنه إذا حلف أن لا يأكل البطيخ قال بعضهم لا يحنث بالهندي إلخ وتوضيحه أن هناك معهودا في أكل البطيخ لم يجب المقدار ومعهودا بحسب الجنس منه من الهندي وغيره فلو حمل البطيخ على العموم بالنسبة إلى الأول لم يحنث بأكل شيء لا من الهندي ولا من غيره ولو حمل ذلك على المعهود كما ذكره في الفروع الأول فإن كان هناك جنس خاص معهود حنث بالأكل منه دون غيره وإن لم يحنث بأكل أي من القسمين وملحوظ الشهيد في المقام هو ملاحظة المعهودية الثابتة وعدمها وإلا فهو محمول عنده على المعهود الأول كما في مثال الماء من غيره فرق وكذا الحال في الفرع الثالث وبذلك يندفع ما أورد على قوله في المثال السابق إذ لو حمل على العموم لم يحنث بأن في صورة العموم يحصل الحنث كما إذا جعل البطيخ أعم من هندي على سبيل المساواة لما عرفت من عدم ارتباط أحد المعهودين بالآخر وحصول الحنث بالهندي أو بغيره مبني على حمل البطيخ على المعهود بحسب المقدار لا على جميع أفراده حسبما ذكر في الماء وإن لم يحصل الحنث بشيء منهما كما في الماء والمعهودية الملحوظة في المقام إثباتا أو نفيا إنما هي في جنس البطيخ حسبما ذكرنا ثم إن ما قرره الشهيد رحمه الله من أنه يتم حيث لا يكون الأخضر معهودا عند المخاطب غير متجه فإن حمل البطيخ على غير الأخضر حينئذ ليس من العهد في شيء وإنما هو من قبيل حمل الإطلاق على الشائع من غير فرق بين ما يكون معرفا باللام وغيره حسبما مر تفصيل القول فيه فالحق حمل البطيخ في المقام على الجنس الراجع إلى العموم في المقام من جهة ورود النفي عليه إلا أنه يحمل على الشائع في الإطلاق أعني غير الهندي إذا ورد في كلام من يكون ذلك هو الشائع عنده في الإطلاقات وإن كان الشائع في الإطلاق عنده القسمان كما هو المتعارف في بعض البلدان شمول النوعين وكذا في الفرع الثالث بل ربما يحصل الجوز من قبيل المشترك اللفظي فلا ربط له بالمقام واعلم أن من ألفاظ العموم النكرة في سياق النفي ولا خلاف ظاهرا بين الأصوليين ممن قال بأن للعموم صيغة تخصه كما هو المعروف إنما تفيد العموم إذا كان اسما لا وصفا وهي مختلفة في وضوح الدلالة وعدمه فالكائنة بعد لا النافية للجنس نحو لا رجل أو زيد عليها من الزائدة نحو ما من رجل في الدار أو كانت النكرة مثل لفظ أحد وبد مما لا يستعمل إلا مع النفي صريحة في العموم والحق بها ما إذا كانت النكرة صادقة على القليل والكثير كالشئ والماء والدهن والدبس ونحوهما وقد ذكره الشهيد رحمه الله في التمهيد والكائنة بعد ليس وما ولا المشبهتان له ظاهر فيه والحق بعضهم نكرة الواقعة بعد لم أو لن بالأول قالوا والفرق بين المعنيين أنه لا يصح إثبات الزائد على الواحد في الأول بخلاف الثاني فلا يقال لا رجل عندي بل رجلان أو ما من رجل عندي بل رجلان بخلاف ليس عندي رجل بل رجلان أو ما عندي رجل بل رجلان أو رجال وأنت خبير بأن خصوصية الأول وظهور الثاني إنما هي في الدلالة على العمومية مطلقا وأما الدلالة على العموم بالنسبة إلى المعنى المراد بالنكرة فلا فرق بينهما في ذلك كما مرت الإشارة إليه نعم قد يقال إن النكرة في قولك ليس عندي رجل يحتمل أن يراد به الفرد المعين في الواقع المبهم عند المخاطب كما في النكرة الواقعة متعلقا بالخبر المثبت في كلام بعضهم حسبما مرت الإشارة إليه وحينئذ فلا دلالة فيها على العموم أصلا وربما كان المفرد في قولك ليس عندي رجل ظاهر في العموم من جهة احتمال أن يراد بالتنوين في رجل الوحدة البداية المقابلة للتثنية والجمع ولذا صح أن يقول بل رجلان أو رجال كما مرت الإشارة إليه وأما لو أريد به الوحدة المطلقة فلا فرق بينه وبين لا رجل إذ لا فرق بين نفي الطبيعة ونفي فرد ما في إفادة العموم حسبما عرفت وهذا الاحتمال قائم في جميع الأفراد إذ لا يصح أن يراد بالتنوين فيه الإشارة إلى جميع واحد ولذا لا يجوز أن يقابله بنفي الستة أو التسعة مثلا وإن أمكن أن ينفي الجميع فإن ذلك من الأمور النادرة ولا يلحظ بالتنوين المقابلة لهما فإن قلت إنه يحتمل أن يكون قد أطلق رجالا على عدة معينة وحكم بنفسها ولا يفيد نفي الجميع فلذا لا يكون نصّا في العموم قلت إن الكلام في النصوصية من جهة دلالة اللفظ لا من جهة الإرادة وإلا فليس لا رجل نصا فيه أيضا كما مرت ولا ريب أن قضية ظاهر اللفظ هو الإطلاق ونفي ذلك يفيد العموم قطعا كما هو الحال في لا رجل وأما احتمال إطلاقه على الخاص ورود النفي عليه فهو قائم في لا رجل أيضا بأن يكون قد أطلقه على رجال مخصوصين وأورد النفي عليها ثم يأتي بعد ذلك بقرينة تدل على ذلك كما هو الحال في قوله ليس عندي رجال والحاصل أن ذلك خروج عما يقتضيه مدلول اللفظ ورجوع إلى ما يقتضيه القرائن ولا ينافي ذلك النصوصية الملحوظة في المقام فتأمل وينقل فيه خلاف عن النحاة فيما إذا كان الدال على النفي ليس ومشابهتاه في نحو قولك ليس في الدار رجل وما في الدار رجل ولا رجل قائما فالمحكي عن سيبويه أنها للعموم والمحكي عن المبرد والجرجاني والزمخشري أنها ليست للعموم لا نصّا