الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

359

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

أطلق الجمع على مراتبه العليا أيضا الحكم بكل واحد من الآحاد المندرجة فيها وحينئذ فالمراد بالجمع هو نفسه هو مجموع الأفراد التي هي المرتبة العليا من الجمع وعموم الحكم إنما هو بالنسبة إلى جزئيات المفردة المندرجة فيها حيث تعلق الحكم بكل واحد منها فشمول الحكم لكل واحد من الآحاد لا ينافي استعمال الجمع بنفسه في المجموع والتوصيف في المقام إنما يلاحظ بالنسبة إلى معناه الأفرادي ولا يراد به سوى مجموع تلك الآحاد والعموم الأفرادي إنما يجوز من ملاحظة التركيب وتعلق الحكم به ولا ربط له بالتوصيف حتى يجعل ذلك مصححا لتوصيفه بالجمع وفيه نظر المذكور في الأصل بعد الإيراد ويدفعه من غير ذكر وجه قوله أنه لا مجال لإنكار إفادة هذا الكلام ظاهر في ذهابه بعد إنكاره وكون المفرد المعرف من ألفاظ العموم إلى اشتراكه لفظا بين الاستغراق والعهد والجنس وقد عرفت وهنه نعم كون الاستعمال الواقع على كل من الوجوه الثلاثة على سبيل الحقيقة هو الظاهر لكن لا من جهة الاشتراك اللفظي بل من جهة الاشتراك المعنوي وحصول ما وضع له اللفظان أعني اللام ومدخوله كما مر تفصيل القول فيه قوله وكونه أحد معانيها مما لا يظهر فيه خلاف هذه العبارة واضحة الدلالة على كون الاستغراق مدلول اللام عنده وأنها موضوعة بإزائه وقد عرفت أنه لا وجه له وأن الاستغراق حاصل بمعونة المقام وأن نفس الاستغراق مما لا يستعمل فيه اللفظ قطعا كما هو الحال فيما يراد منه الجنس والعهد نعم يتحصل من ضم اللام إلى مدخوله معنى يكون مستغرقا للآحاد المندرجة فيه هذا بالنسبة إلى الجمع وأما المفرد فعلى أحد الوجوه فيه وتوضيح المقام أن إرادة الاستغراق من المفرد المعرف يتصور على وجوه أحدها أن يكون الهيئة التركيبية أو المجموع المركب من اللفظين موضوعة لإفادة الاستغراق على ما مر نظيره في الجمع ثانيها أن يكون اللام الداخلة عليه بمعنى كل ويكون ذلك العالم بمنزلة كل عالم وحينئذ فيكون التعريف فيه لفظيا حسبما مرت الإشارة في كلام نجم الأئمة أو يقال حينئذ بكون مفاده مفاد كل من حيث حضور الكل في الذهن والإشارة إليه ليكون ذلك سببا مفيدا للتعريف وقد مر نظير ذلك في الجمع أيضا ثالثها أن يكون المراد من مدخول اللام هو الطبيعة المطلقة من حيث كونها مرآتا للآحاد المندرجة تحتها نظرا إلى القرينة الدالة عليه ويكون اللام الداخلة عليها إشارة إلى الطبيعة المفروضة تعريفا لها من تلك الحيثية فيكون مفاده هو تعريف الآحاد إذ مفاد الطبيعة الملحوظة على الوجه المفروض غير مفاد الفرد رابعها أن يطلق الجنس المدخول للام على جميع الآحاد كما أنه يطلق في المعهود على خصوص فرد أو أفراد معهودة فيكون اللام حينئذ للإشارة إلى خصوص تلك الأفراد وتعريفها كما هو الحال في تعريف العهد من غير لزوم مجاز في اللام ولا في مدخوله خامسها أن يكون المراد من مدخوله نفس الجنس والطبيعة المطلقة المأخوذة لا بشرط شيء ولكن قامت القرينة على إطلاق تلك الطبيعة على جميع الآحاد المندرجة تحتها فيكون اللام تعريفا للطبيعة بالذات ولتلك الآحاد بالعرض بملاحظة إطلاقها عليها سادسها أن يكون اللام لتعريف نفس الطبيعة لغيرها من المقامات لكن تقوم هناك قرينة خارجة عن الاستغراق وحصول تلك الطبيعة في ضمن جميع الآحاد من غير أن يراد من لفظ الجنس المذكور بوجه من الوجوه فلا يكون الاستغراق حينئذ عن مدلول المفرد أصلا وإنما هو مدلول خارجي حاصل من القرينة من غير أن يقيد القرينة استعمال اللفظ فيه ولا إطلاقه عليه [ فائدة مهمة ] قوله أن القرينة الحالية قائمة إلى آخره ظاهر العبارة المذكورة سيما بملاحظة ما تقدم يعطي كون مراده كون العموم المحمول عليه هنا من جهة حمل اللام على الاستغراق حملا للمشترك على أحد معانيه فيكون عموم المفرد حينئذ استغراقيا وضعيا كسائر ألفاظ العموم إلا أن الفرق اشتراكه هنا بين العموم وغيره وتعيين الأول من جهة القرينة بخلاف غيره من ألفاظ العموم فلا يندرج إذن من المطلقات لينصرف إلى الأفراد الشائعة حسبما سيجيء الكلام فيه وهو ضعيف وما يذكره في بيانه غير متجه كما سيجيء الإشارة إليه وفي قوله غالبا إشارة إلى عدم إفادته العموم في بعض المواضع مما يقع متعلقا للأمر أو يقع في سياقه للاكتفاء بإيقاعه في ضمن فرد ما ولذا فصل بعض الأفاضل في المقام فقال إن المفرد المعرف إذا وقع متعلقا للأمر كان مفاده الطبيعة في ضمن فرد ما بشهادة العرف بحصول الامتثال به وإذا وقع متعلقا للنهي أفاد العموم لعدم حصول ترك الطبيعة إلا بتركها في ضمن جميع الأفراد مضافا إلى شهادة فهم العرف بإرادة ذلك وتوقف حصول الامتثال عندهم على ذلك وإذا وقع متعلقا لسائر الأحكام كالحلية والطهارة وعدم الانفعال بالنجاسة ونحوها أفاد العموم بالنظر إلى دليل الحكمة حسبما أشار إليه ويمكن أن يقال باستفادة العموم منه في مقام الأمر أيضا إذ ليس المقصود حينئذ إيجاد الطبيعة في ضمن فرد معين إذ لا تعيين ولا في ضمن فرد ما على سبيل الإبهام والإجمال لخروج الكلام منه عن الإفادة بل المقصود أداؤها في ضمن أي فرد كان غاية الأمر أن يكون العموم فيه بدليا فاستفادة العموم حاصلة في المقامين غير أن العموم هنا بدلي وفي غيره استغراقي والظاهر أن المفصل المذكور قائلا بذلك أيضا والمصنف أيضا يقول به فلا خلاف في المعنى إنما الكلام في التسمية قوله والحق أن يقال إن متعلق الأحكام الشرعية إنما هي الطبائع من حيث اتحادها مع أفرادها وكونها عنوانات لمصاديقها من غير أن يكون الأفراد بنفسها متعلقا للأحكام بل من حيث اتحادها مع الطبيعة حيث إن الأمر قد تعلق بالطبيعة من الحيثية المذكورة حسبما أشرنا إليه وحينئذ فإما أن يتعلق الأمر بها من حيث اتحادها مع فرد مخصوص أو مع فرد ما أو جميع الأفراد وحيث لا سبيل إلى الأول لانتفاء العهدية والجهة المعينة وعدم حصول فائدة في الثاني يتعين الثالث وليس ذلك قاضيا باستعمال اللفظ في العموم بل إنما يفيد كون المراد من تعلق الحكم على الطبيعة هو الطبيعة الحاصلة في ضمن كل فرد من أفرادها فيكون اعتبار الحكم المذكور مكملا للمراد دالا على العموم من دون أن يكون ذلك مرادا من اللفظ ويحتمل القول بكون الحكمة المذكورة قرينة على إرادة ذلك من اللفظ بأن يفيد كون المراد من اللفظ الدال على الطبيعة هو الطبيعة من حيث اتحادها مع كل من الآحاد ولا مجازا أيضا كما عرفت الحال فيه مما مر فإن ذلك أيضا من إطلاق الكلي على الفرد مع كون الفهم له أمرا خارجيا وهذا هو الأظهر وكيف كان فالعموم المستفاد على الوجه المذكور لا يتعدى إلى الأفراد الشائعة بل إنما ينصرف إليها دون النادرة بل ينصرف إلى ما يقتضيه خصوص المقام كما إذا وكله في شراء العبد فإن ظاهر التوكيل في الشراء ينصرف إلى إرادة العبد السليم الخالي من العيب مع لفظ العبد في