الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
35
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الألفاظ لخصوص الجزئيات لكانت من متعدد المعنى قطعا مع عدم اندراجها في شيء من المذكورات فيكون قسما خامسا وهو خلاف ما يقتضيه كلام القوم ثالثها وهو أضعفها أنها لو كانت موضوعة بإزاء الجزئيات لزم استحضار ما لا يتناهى حال تعلق الوضع بها ضرورة توقف الوضع على تصور المعنى وهو واضح البطلان وأجيب عن الأول بحمل كلامهم على إرادة المصداق دون المفهوم كيف ومقصودهم من بيان معاني تلك الألفاظ هو معرفة المراد منها في الاستعمالات ومن البين أن المراد منها في الاستعمالات هو ذلك دون نفس المفهوم للاتفاق على عدم جواز الاستعمال فيه وعن الثاني بأن تقسيم الألفاظ إلى الأقسام المعروفة لما كان من القدماء وهم لما لم يثبتوا هذا النوع من الوضع لم يذكروه من الأقسام والمتأخرون مع إثباتهم لذلك لم يغيروا الحال في التقسيم عما جرى عليه القوم بل جروا في ذلك على منوالهم وأشاروا إلى ما اختاروه في المسألة في مقام آخر وعن الثالث بما هو ظاهر من الفرق بين الحضور الإجمالي والتفصيلي والقدر اللازم في الوضع هو الأول والمستحيل بالنسبة إلى البشر إنما هو الثاني قلت وأنت بعد التأمل في جميع ما ذكرناه تعرف تصحيح الوضع في المقام على كل من الوجهين المذكورين وأنه لا دليل هناك يفيد تعين إحدى الصورتين وإن كان الأظهر هو ما حكي عن القدماء على الوجه الذي قررناه لما عرفت من تطبيق الاستعمالات عليه فلا حاجة إلى التزام التغاير بين المعنى المتصور حال الوضع والموضوع له فإنه تكلف مستغنى عنه مخالف لما هو الغالب في الأوضاع بل وكأنه الأوفق عند التأمل بظاهر الاستعمالات ولولا أن عدة من الوجوه المذكورة قد ألجأت المتأخرين إلى اختيار الوجه المذكور لما عدلوا عما يقتضيه ظاهر الوضع ويعاضده ظاهر كلام الجمهور ويؤيده أيضا ظاهر ما حكي عن أهل اللغة وحمل كلامهم على الوجه المتقدم وإن كان ممكنا إلا أنه لا داعي إليه مع خروجه عن الظاهر وما ذكر من قيام الشاهد عليه مدفوع بما عرفت من تصحيح الاستعمالات على كل من الوجهين المذكورين وعليك بالتأمل فيما فصلناه فإني لم أر أحدا حام حول ما قررناه فأوجدته حقيقا بالقبول فهو من الله ولا حول ولا قوة إلا باللّه السادسة [ في وضع المركبات . ] ذهب جماعة من علماء العربية إلى اختصاص الوضع بالمفردات وأن المركبات لا وضع فيها من حيث التركيب لحصول المقصود من الانتقال إلى المعنى التركيبي بوضع المفردات فلا حاجة في استفادة ذلك منها إلى وضع آخر ويدفعه أن مجرد وضع المفردات غير كاف فيما يراد من المركبات فإن الجمل الخبرية مثلا إذا أريد بها الإخبار عما تضمنه كانت حقيقة دون ما إذا أريد بها غير ذلك فيكون موضوعا لإفادته وهو أمر وراء ما يعطيه أوضاع المفردات فإنه حاصل فيها مع عدم إرادة الإخبار أيضا فإنه إذا أريد بها إفادة المدح أو بيان التحزن والتحسر أو التذلل والتخشع أو الضعف والوهن ونحو ذلك كان مفاد المفردات في الجميع على حاله من غير تفاوت إلا بالنسبة إلى المعنى التركيبي فلو لا القول بثبوت الوضع للهيئات التركيبية لما صح القول بكونها حقيقية في الإخبار متعدية إليه عند الإطلاق مجازا في غيره وفيه أن دلالة المفردات بعد ضم بعضها إلى البعض كافية في إفادة الإخبار إذ هو مدلول لتلك الألفاظ مع قطع النظر من جميع الأمور الخارجية وأما كون الملحوظ سائر الفوائد المترتبة على الكلام فلا بد من قيام شاهد عليه إذ لا يفي المفردات بالدلالة على إرادتها بعد قيام القرينة على ملاحظتها فليس المفردات مجازا قطعا وكذا المركب وإن لم يكن مجرد تلك العبارة كافيا في فهمها من دون ملاحظة القرينة فانصراف إطلاق الجمل الخبرية إلى خصوص الإخبار بمضمونها لا يستلزم كونها موضوعة بإزائه لما عرفت من أن السبب في انصرافها إليه هو ملاحظة وضعها الإفرادي مع الخلو عن القرائن الدالة على خلافه وكذا افتقار إرادة سائر المقاصد إلى ضم القرائن المفهمة لإرادتها لا يفيد كونها مجازا عند إرادتها والحاصل أن إسناد الفعل إلى فاعله أو حمل المحمول على موضوعه دال على ثبوت تلك النسبة التامة وبعد ضم أحدهما إلى الآخر يحصل ذلك فلو جرد الكلام حينئذ عن سائر القرائن أفاد كون المقصود هو الإخبار عن ذلك الشيء من دون حاجة إلى وضع آخر متعلق بالهيئات التركيبية ولو انضم إليه ما يفيد إرادة سائر المقاصد تمت الدلالة عليه بتلك الضميمة من دون لزوم مجاز أصلا هذا إذا كان المقصود إسناد تلك المحمولات إلى موضوعاتها على سبيل الحقيقة وأما إذا لم يكن إسنادها إلى موضوعاتها مقصودا في ذلك المقام بل كان المقصود بيان ما يلزم ذلك من التخضع ونحوه كما في قولك أنا عبدك وأنا مملوكك فلا ريب إذن في الخروج عن مقتضى الوضع إذ ليس المقصود في المقام بيان ما يعطيه من معاني المفردات بحسب أوضاعها فحينئذ يمكن التزام التجوز في المفردات كأن يراد بعبدك أو مملوكك مثلا لازمه أو في المركب بأن يراد من الحكم بثبوت النسبة المذكورة لازمها وعلى كل حال فالتجوز لازم حاصل هناك فظهر مما ذكرنا أن الجمل المذكور مندرج في الحقيقة تارة وفي المجاز أخرى فإن قلت إن استعمال الجمل الخبرية في الدعاء أو بمعنى الأمر مجاز قطعا ولولا وضعها للإخبار لما صح ذلك فإن قلت إن المجاز هناك في المفرد أعني الفعل المستعمل في المعنى المذكور مثلا لخروجه بإرادة ذلك عن مقتضى وضعه فإن قلت إن الإسناد الحاصل في الجمل الخبرية الغير المشتملة على الفعل مما يدل عليه صريح العبارة مع أن أوضاع المفردات مما لا يدل عليه فليس ذلك إلا من جهة التركيب قلت ليس ذلك من جهة وضع المركب وإنما هو من جهة الطواري الواردة على الكلمة فإنها إنما يكون بحسب الأوضاع النوعية المتعلقة بذلك المعتبرة في النحو فالظاهر أن الأعاريب الواردة على تلك الكلمات هي الموضوعة بإزاء النسب والرابطة بين الموضوع والمحمول وكذا سائر الارتباطات الحاصلة بين الكلمات إنما يستفاد من الأعاريب الواردة عليها وربما يضم إلى ذلك ملاحظة التقديم والتأخير ونحوهما المأخوذة في تلك الكلمات فإن أريد بوضع المركبات ما ذكرناه فلا كلام إذ ثبوت الأوضاع المذكورة لا ينبغي التأمل فيه ولم يخالف أحد في الحكم فيه وإن أريد به غير ذلك فهو مما لا شاهد عليه فإن قلت قد نص علماء البيان على ثبوت المجاز في المركبات وقد جعلوه قسيما للمجاز في المفردات ولا يتم ذلك إلا مع ثبوت الوضع في المركبات بكون المجاز فرع الوضع وقد اعتذر بعضهم عن عدم تعرضهم للحقيقة في المركبات بكون التعرض للحقائق غير مقصود بالذات في فن