الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

356

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في غيره حكي ذلك قولا حسب ما نص عليه المصنف فإنه حمل كلام القائل بإفادته العموم على كونه موضوعا لخصوص العموم مجازا في غيره على حد سائر الصيغ المختصة ثالثها القول بالاشتراك اللفظي بين العموم وغيره وهو الذي يلوح من المصنف بل قضية كلامه كما سيجيء حكاية الاتفاق عليه مما لا يقول بوضعه للعموم خاصة رابعها التفصيل بين ما يتميز الواحد منه بالتاء وما لا يتميز به فيفيد العموم في الأول دون الثاني وحكي القول به عن إمام الحرمين خامسها التفصيل المذكور بعينه إلا أنه الحق مما يتميز الواحد منه بالتاء ما يصح بوضعه بالوحدة كالدينار والدرهم فإنه يصح أن يقال دينار واحد ودرهم واحد بخلاف نحو الذهب والفضة إذ لا يقال ذهب واحد وفضة واحدة وحكي القول به عن الغزالي والمختار عندنا أنه عند انتفاء القرائن وعدم حصول عهد في المقام إنما يفيد تعريف الجنس وينصرف إليه وذلك لما عرفت من كون اللام موضوعة للإشارة إلى مدخولها وإفادة تعريفه وقد مر أيضا أن أسامي الأجناس إنما وضعت للطبائع المطلقة المأخوذة لا بشرط شيء وإنما يجيء الخصوصيات بملاحظة ما نظروها [ يطرؤها ] من الطواري واللواحق المفروض أن الطاري الحاصل في المقام أعني اللام لا يفيد سوى التعريف والإشارة فيكون مفاد اللفظين بملاحظة الوضعين هو تعريف الطبيعة نفسها حيث لم يلحظ أمر آخر معها فيكون مفادها تعريف الطبيعة من حيث هي أي مع قطع النظر عن كونها متحدة مع فرد خاص منها كما في تعريف العهد أو مع جميع الأفراد كما في الاستغراق والحاصل أن ما وضع له اسم الجنس هو الطبيعة لا بشرط شيء فيعم الوجوه الثلاثة المذكورة حسب أن اللا بشرط يجامع ألف شرط فيتم تعريفه على كل من تلك الوجوه من غير لزوم تجوز إلا أن كلا من الوجهين الأخيرين يتوقف على انضمام آخر ليكون اللفظ بتلك الواسطة دالا عليه ويكون التعريف والإشارة منصرفا إليه وأما إرادة الجنس فلا يتوقف على انضمام أمر إليه إذ مجرد اللفظ كاف في الدلالة عليه ويكفي في عدم إرادة تلك الخصوصيات انتفاء ما يدل عليها فيكون مفاد اللفظ حينئذ بملاحظة وضع اللام واسم الجنس منضما إلى ما ذكرنا هو الطبيعة من حيث هي على الوجه الذي بينا فليس مجرد وضع اللام للتعريف والإشارة ووضع مدخولها لمطلق الجنس قاضيا بكونه حقيقة في الجنس بالمعنى المذكور مجازا في غيره لما عرفت من كون الجنس الذي وضع أسامي الأجناس بإزائه هو الطبيعة المطلقة الحاصلة في صورة العهد والاستغراق أيضا أما الجنس المقابل لها فهو مأخوذ على وجه اللا بشرط حاصل في صورة العهد والاستغراق أيضا إرادة العهد عند إطلاقه على خصوص المعهود وكذا في صورة إرادة الاستغراق فإن اللا بشرط لا ينافي وجود الشرط غاية الأمر أن تكون الخصوصية مدلولة عليها بأمر خارجي لوضوح أن ما يدل على اللا بشرط لا يفيد خصوصية الشرط والحاصل أن ملاحظة الوصفين المذكورين لا يقضي بكونه حقيقة في خصوص تعريف الجنس المقابل للعهد والاستغراق بل مقتضاه كونه حقيقة في الأعم من الوجوه الثلاثة غاية الأمر أنه لما كان إطلاق اللفظ على خصوص المعهود أو على جميع الأفراد متوقفا على ضم خصوصية إليه ولم يكن نفس اللفظ دالا على تلك الخصوصية لوضعه للقدر المشترك توقف الدلالة على كل منهما على قيام قرينة دالة عليه بخلاف الحمل على الجنس المقابل لهما فإن عدم قيام الدليل على إطلاق اللفظ على أحد الخصوصيتين المذكورتين كاف في إفادته فتبين بما قررنا أن المفرد المعرف حقيقة في القدر المشترك بين الوجوه الثلاثة إلا أنه ينصرف عند الإطلاق إلى الجنس والظاهر أن ما اخترناه من كونه حقيقة في الأعم مختار جماعة من الأعلام كما يستفاد من كلماتهم قال بعض الأفاضل إن طريقة تقسيمهم الجنس المعرف باللام إلى أقسامه يقتضي القول بكونه حقيقة في الجميع لكن لا على سبيل الاشتراك بل من باب استعمال الكلي في الأفراد انتهى وكيف كان فحمل اللام على الجنس في المفرد المعرف متقدم على حمله على العهد والاستغراق وإن كان الحمل على العهد متقدما عليه مع وجود المعهود إذ هو أظهر من غيره كما مر في الجمع المعرف إلا أن صحة الحمل عليه موقوف على وجود المعهود ولا يعقل الحمل عليه من دونه فهو في الحقيقة مصحح للحمل على العهد لا قرينة على الحمل عليه كما مرت الإشارة إليه وسيجيء أيضا إن شاء الله هذا والقول بكونه للعموم يتوقف على القول بتعلق وضع خاص باللام الداخلة على المفرد يفيد الاستغراق من جهته أو القول بحصول وضع للهيئة التركيبية حسبما مر نظيره للقيام بوضع الجمع المعرف لخصوص العموم وهو مع بعده عن الظاهر مدفوع بالأصل مضافا إلى قضاء التبادر وبخلافه إذ لا يتبادر من المفرد المحلى مع الإطلاق إلا الطبيعة المطلقة المعرفة بواسطة الإشارة ويشير إليه أيضا عدم صحة الاستثناء منه مطردا ولو كان موضوعا للعموم ظاهرا فيه لاطرد جواز الاستثناء منه حجة القول بوضعه لتعريف الجنس خاصة وكونه مجازا في إرادة العهد والاستغراق وجوه أحدها ما أشار إليه بعض المتأخرين على نحو ما أشرنا إليه من أن ذلك قضية وضع اللام للإشارة والتعريف ووضع أسامي الأجناس للطبائع المطلقة حسبما مر الكلام فيها فيكون مفاد اللفظ المذكور بملاحظة الوصفين المفروضين هو تعريف الجنس ودعوى طرو وضع آخر متعلق بالهيئة التركيبية يفيد الاستغراق من جهة خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا بدليل وأورد عليه أنه لا ريب في حصول وضع متعلق بالهيئة التركيبية يصح التركيب بين اللفظين من جهة ولا ريب أيضا في حصول الرخصة في الجملة في استعمالها على كل من الوجوه الثلاثة المذكورة من الجنس والعهد والاستغراق واحتمال إرادة التكلم بالنسبة إلى الكل متساوية فلا يجري أصل العدم بالنسبة إلى شيء منها والقول بأن مدخول اللام حقيقة في الطبيعة اللا بشرط فأصل الحقيقة لا يثبت الحقيقة بالنسبة إلى الهيئة التركيبية وأنت خبير بوهن الإيراد فإن تركيب اللام مع مدخوله ليس إلا كسائر التراكيب والوضع المتعلق به كلي نوعي يندرج فيه هذا التركيب أيضا ولا داعي إلى التزام وضع شخصي يتعلق بهذا التركيب الخاص حتى يحتمل أن يكون خصوصية الدلالة على الاستغراق أو غيره حاصلة من جهته وليس مفاد الوضع العام المتعلق بالتراكيب سوى الترخيص المتعلق بتراكيب الألفاظ بعضها مع بعض وضم بعضها مع آخر بحصول المعاني المركبة من ذلك نعم قد لوحظ في بعض الهيئات معنى آخر يضم إلى معاني المفردات كالنسبة الإضافية الملحوظة في وضع الإضافة والنسبة التوصيفية في التوصيف ونحو ذلك وهو غير متحقق الحصول في المقام وقضية الأصل عدمه ومقتضى الترخيص المطلق في التركيب ليس إلا معنى ضم التعريف إلى معنى الجنس فما ذكره من أن أصل الحقيقة لا يثبت الحقيقة بالنسبة إلى الجنسية التركيبية كما ترى أنه ليس المقصود إثبات مفاد الهيئة التركيبية من جهة ذلك الأصل