الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

339

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الإيجاد في الحرام مرجوحة باعثة لنقص العبادة عما هي عليه من الرجحان وخصوصية الإيجاد في المسجد راجحة باعثة على زيادة الفضيلة وليس المراد به أن خصوصية الإيقاع في البيت مباحة بالمعنى المصطلح كيف وهو متحد مع الإيقاع المطلق وإذا وجب المطلق وجبت أفراده حسبما عرفت فلا يتعقل القول بإباحته الواقعية غاية الأمر أن يقال إن تلك الجهة ليست جهة وجوب بل جهة إباحة حيث إنه إنما يجب الفرد من حيث كونه إيقاعا للصلاة لا من جهة خصوصية كونه في البيت لكن لا يجري ذلك بالنسبة إلى ما ذكر من الوجوه إذ ليست تلك الخصوصية مكروهة بل الصلاة الملابسة له مكروهة من جهة نعم يمكن القول به فيما ذكرناه من المثال المطابق لما نحن فيه كالكون في مكان يكره نفس الكون فيه حسبما مثلنا إلا أنه بعد اتحاد مع الواجب ومصادمته بجهة الوجوب لا يبقى مكروها بمعناه الاصطلاحي لرجحان جهة الوجوب على جهة الكراهة حسبما قدمنا ولو أجرى نظير ذلك بالنسبة إلى الحرام لم يحصل أيضا اجتماع بينه وبين الواجب لملاحظة الترجيح حينئذ بين الجهتين أو المقاومة ويكون الحكم الثابت له على حسبه ولا معنى أيضا لاجتماع الحكمين المطلب الثالث في العموم والخصوص وفيه فصول [ الفصل الأول ] في الكلام على ألفاظ العموم [ أصل في العموم والخصوص ] أصل في العموم والخصوص لما كان العموم والخصوص من عوارض الأدلة وكان متعلقا بمباحث الألفاظ كما مر في بحث الأوامر والنواهي عقّبوا البحث فيهما بالبحث عن العام والخاص وهو أيضا من المشتركات بين الكتاب والسنة ألا ترى أنه قد يجري في غيرهما أيضا في الجملة وكيف كان فالأولى تقديم تعريف العام والخاص ثم الشروع في مباحث الباب وقد اختلفوا في تعريف العام وعرفوه على وجوه شتى وذكروا له حدودا مختلفة وليس ذلك مبنيا على الاختلاف في المحدود بل إنما هو من جهة المناقشة فيما يرد على الحدود فاختار كل منهم حدا على حسب ما استجود أحدها ما حكي عن أبي الحسين البصري واختاره جماعة وإن اختلفوا في زيادة بعض القيود من أنه اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له ويرد عليه أمور منها أن أخذ المستغرق في الحد يوجب الدور إذ هو مرادف للعام نعم لو كان التعريف لفظيا جاز ذلك لكنه غير مقصود في المقام إذ المراد به كشف الحقيقة وضعفه ظاهر لمنع المرادفة بين العموم والاستغراق ومع تسليمه فليس مرادفا للعموم بالمعنى المحدود غاية الأمر أن يكون مرادفا للعموم اللغوي ومنها أنه إن أريد مما يصلح له الجزئيات التي وضع اللفظ لما يعمها ويصدق عليها كما هو الظاهر من العبارة لم يكن جامعا لخروج الجمع المحلى باللام والمضاف من الحد فإن المنساق منهما على المشهور المنصور هو استغراق كل من الآحاد دون المجموع وليس ذلك من جزئيات الجمع وإنما هو من أجزائه وإن أريد به الأجزاء التي تصلح اللفظ للإطلاق عليها أجمع لم ينطبق على المحدود إذ لا يصدق ذلك على كثير من العمومات فإن عمومها من جهة استغراقها الجزئيات دون الأجزاء مضافا إلى عدم كونه مانعا لشموله لسائر الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني المركبة كأسماء العدد بل الأعلام الشخصيّة بل ويندرج فيه المركبات نحو ضرب زيد عمرا فإن المأخوذ في الحد مطلق اللفظ الشامل للمفرد والمركب مع عدم صدق العام على شيء منها ومنها أنه إن أريد بما يصلح له إطلاق اللفظ عليه سواء كان على سبيل الحقيقة أو المجاز لزم خروج معظم الألفاظ العامة لعدم كونها مستغرقة لمعانيها الحقيقية والمجازية معا وإن أريد به ما يصلح إطلاق اللفظ عليه حقيقة لخرج عنه نحو رأيت كل أسد يرمي مع أنه يندرج في العام ويمكن دفعه بأن المراد ما يستغرق جميع ما يصلح له بالنظر إلى المفهوم الذي أريد منه فإن كان ذلك المفهوم حقيقيا أو مجازيا كان الاستغراق ملحوظا بالنسبة إليه ومنها أنه إن كان المراد باستغراقه لجميع ما يصلح له استغراقه له ومنها لزوم خروج جملة من العمومات من الحد كالنكرة في سياق النفي والجمع المحلى باللام وغيرهما حسب ما بين الحال فيها إن شاء الله بل نقول بجريان الإشكال في غيرهما أيضا فإن لفظ الرجل في قولك كل رجل عادل أن عد عاما غير مستغرق لجميع جزئياته وضعا وأن عد لفظة كل عاما كما يستفاد من ظاهر كلماتهم حيث عدوا لفظ كل وجميع ونحوهما من ألفاظ العموم فهي غير مستغرقة لجميع جزئياتها إذ ليس كل من الآحاد من جزئيات المفهوم الذي وضعت بإزائه حسبما مرت الإشارة إليه في الإيراد السابق وإن أريد مجرد استغراقه لها ولو من جهة انضمام سائر الشواهد إليه كدليل الحكمة وملاحظة ترك الاستفصال ونحوهما لزم اندراج المطلقات بل وغيرها أيضا في العموم وليس كذلك ولذا اعتبر بعضهم في الحد كون الاستغراق من جهة الوضع حسبما يأتي الإشارة إليه ومنها أنه يندرج فيه التثنية والجمع فإنهما يستغرقان ما يصلحان له من الفردين أو الأفراد ولا يخفى وهنه لوضوح أن التثنية صالحة لكل اثنين وليس مستغرقا لها فغاية الأمر استغراقها لما اندرج فيه من الآحاد دون الجزئيات نعم قد يشكل الحال في تثنية الأعلام بناء على الاكتفاء في إثباتها على الاتفاق في اللفظ ويدفعه مع وهنه بفساد المبنى المذكور أنه ليس الاستغراق هناك بالنظر إلى الوضع الواحد بل بملاحظة الوضع المتعدد فلو بني على شمول الحد لذلك فليس ذلك أيضا مستغرقا لجميع ما وضع له غاية الأمر أن يشمل معنيين منها نعم لو فرض عدم ذلك العلم إلا بشخصين أمكن الإيراد بذلك على أنه لا يجري الإيراد بالنسبة إلى الجمع على الوجه الأول أيضا لا في جمع الأعلام على الوجه الضعيف المذكور نعم لو أريد به جميع الآحاد اندرج في الحد وحينئذ يندرج في العام فلا انتقاض من جهته وعن قاضي القضاة اعتبار قيد آخر في الحد لإخراج التثنية والجمع حيث قال إنه اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له في أصل اللغة من غير زيادة وأراد بقوله من غير زيادة الاحتراز عن ذلك فإن الاستغراق الحاصل هناك من جهة زيادة علائم التثنية والجمع وفيه مع ضعفه بما عرفت دون زيادة القيد المذكور ويقتضي خروج الجمع المحلى عن الحد فإن إفادته العموم إنما هي من جهة ضم اللام إليه وكذا الحال في الجمع المضاف ومنها أنه يندرج فيه المشترك إذا استعمل في جميع معانيه مع عدم اندراجه في ألفاظ العموم ولذا زاد جماعة في الحد منهم الرازي والعلامة في التهذيب والشهيد في الذكرى التقييد بوضع وأيضا ليخرج عنه ذلك وربما يحترز به أيضا عن استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه نظرا إلى كون استعماله فيهما بملاحظة الوضع الحقيقي والترخيصي ويدفعه أنه إن كان المشترك حينئذ استغراقا لجميع آحاد معنييه كان مندرجا في العام وإلا فلا يصدق الحد عليه ثانيها ما حكي عن الغزالي