الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
32
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
في وضع الألفاظ المفروضة إنما أخذت على وجه لا يمكن إرادتها من اللّفظ إلاّ حال وجودها في ضمن الجزئيّات من غير أن يكون خصوص شيء من تلك الجزئيات مما وضع اللّفظ له وبيان ذلك أنا قد أشرنا إلى أن المعاني المرادة من الألفاظ قد تكون أمورا واقعية مع قطع النظر عن إرادتها من اللفظ فإنما يراد من اللفظ إحضارها ببال السّامع وقد لا تكون كذلك بأن تكون إرادة تلك المعاني من الألفاظ هو عين إيجادها في الخارج فالمعاني التي وضعت تلك الألفاظ بإزائها إنما يتحقق في الخارج بإرادتها من اللفظ سواء كانت معاني تركيبية كما في الإنشاءات أو إفرادية كما في أسماء الإشارة فإنها إنما وضعت للمشار إليه من حيث تعلق الإشارة به لا لمفهوم المشار إليه من حيث هو ليحصل إحضار ذلك المفهوم عند أداء اللفظ بل لما تعلق به فعل الإشارة وإرادتهما فيحصل معنى الإشارة في الخارج باستعمال لفظة هذا في معناه بخلاف استعمال لفظ الإشارة والمشار إليه فيما وضع له فإنه لا يتحقق به الإشارة ولا يكون الشيء مشار إليه من حيث تعلق بذلك بل إنما يحصل به إحضار ذلك المفهوم بالبال وتصويره في ذهن السّامع لا غير فنظير لفظة هذا في ذلك لفظ أشير إذا أريد بها إنشاء الإشارة وإن كان الفرق بينهما واضحا من جهات أخرى ولهذا قد نزل هذا منزلة أشير في الاستعمالات فيجري عليه بعض أحكامه كما نشير إليه في محلّه فحينئذ نقول إن إرادة المعنى المشار إليه على الوجه المذكور من لفظ هذا من نظائرها غير ممكن الحصول إلا في ضمن متعلق خاص لوضوح عدم إمكان تعلق الإشارة إلاّ بمتعلّق مخصوص وعدم تحققها في الخارج إلا في ضمن فرد خاص من الإشارة وجزئي حقيقي من جزئياتها ضرورة عدم إمكان حصول الكليّات إلا في ضمن الأفراد فلا يمكن استعمال تلك الألفاظ إلا في معاني خاصة وإشارة مخصوصة وإن لم تكن تلك الخصوصيات مرادة عن نفس اللفظ بل هي لازمة لما هو المراد منها لوضوح عدم حصول مطلق الإشارة في الخارج إلا في ضمن إشارة خاصة وعدم تعلقها إلا بتعلق مخصوص وبذلك يظهر الوجه في بناء تلك الألفاظ وإعراب لفظ الإشارة والمشار إليه فإنّ المأخوذ فيهما مفهوم الإشارة وهو معنى تام اسمي بخلاف ما وضع له هذا لاشتماله على نفس الإشارة التي هي معنى ناقص حرفي قد جعل آلة ومرآة لملاحظة الذات التي أشير إليها وهو مفتقر إلى متعلقها افتقارا ذاتيا كغيره من المعاني الحرفية إذا تقرر ذلك ظهر اندفاع ما ذكرنا في الاحتجاج من أنها لو كانت موضوعة للمفهوم العام لزم جواز استعمال هذا في مطلق المشار إليه المفرد المذكر على ما هو الحال في لفظ المشار إليه لما عرفت من وضوح الفرق بين الأمرين وعدم إمكان إرادة المشار إليه على الوجه المأخوذة في معنى هذا إلا في ضمن خصوص الأفراد وهذا هو السر في عدم إطلاقه إلا على الخصوصيات وعدم جواز استعماله إلا في الأمر العام على إطلاقه وعمومه فلا دلالة في ذلك على وضعه لخصوص تلك الجزئيات وعدم وضعه للقدر الجامع بينهما كما زعموه بل لا يبعد أصلا في القول للقدر الجامع بين تلك الخصوصيات ويشير إليه أنه لا يفهم من لفظ هذا في العرف إلا معنى واحد يختلف متعلقه بحسب الموارد ولا يكون إرادته إلا في ضمن جزئي معين بحسب الواقع فلا يكون إطلاقها على الجزئيات بإرادة الخصوصية من نفس اللفظ بل لحصول الموضوع له في ضمنها وتوقف إرادته على ذلك فالموضوع له للفظة هذا هو المشار إليه المفرد المذكر من حيث تعلق الإشارة به وجعل الإشارة مرآة لملاحظته وهو مفهوم كلي في نفسه إلا أنه لا يمكن إرادته إلا في ضمن الفرد ضرورة كون الإشارة الواقعية من جزئيات مطلق الإشارة واقتضاء الإشارة في نفسها تعين إلا المشار إليه لكون ذلك من اللوازم الظاهرة لحصولها ضرورة استحالة الإشارة إلى المبهم من حيث أنه مبهم فتعين المشار إليه وخصوصيّته الإشارة إنما يعتبر في مستعملات تلك الأسماء من الجهة المذكورة لا لوضعها لخصوص تلك الجزئيات ويجري نظير ما قلنا في جميع ما جعلوه من هذا القبيل أما الضمائر فلأنها إنما وضعت للتعبير من المتكلم أو المخاطب أو الغائب المذكور وما بحكمه لا بأن يكون تلك المفاهيم مأخوذة في وضعها على سبيل الاستقلال حتى يكون الموضوع له للفظة أنا مثلا هو المفهوم من لفظ المتكلم ليصحّ إطلاقه كلفظ المتكلم على مطلق المتكلم بل يأخذ تلك المفاهيم من حيث حصولها وصدورها قيدا في وضع اللفظ للذوات التي يجري عليه المفاهيم المذكورة وحيثية معتبرة فيها فتلك الذوات بملاحظة الجهات المفروضة قد وضعت لها الألفاظ المذكورة فالمراد بكون أنا موضوعا أنه موضوع لذات جعل صدور الكلام حيثية معتبرة في وضع اللفظ وكذا الحال في لفظة أنت وهو غيرهما فالموضوع له للفظ أنا هو من صدر منه الكلام للمتكلم وللفظة أنت من ألقي إليه الكلام وللفظة هو من سبق ذكره صريحا أو ضمنا بجعل حصول تلك الصّلات مرآة لملاحظة تلك الذات وتلك المعاني وإن كانت أمورا كليا في نفسها صادقة على ما لا يتناهى إلا أن استعمال اللفظ فيها لا يمكن أن يتحقق إلا في ضمن جزئي من جزئياتها وأما الموصول فلأنه موضوع للشيء المتعين بصلة لا يفهم مفهوم التعين إلا مفهوم الشيء ليكون مفهومه هو المفهوم المركب من المفهومين بل المراد به الشيء المتحقق تعينه بصلة وهذا المعنى مما لا يمكن حصوله بدونه ذكر الصّلة فهو وإن كان أمرا كليا صادقا على كثيرين إلا أنه لا يمكن استعمال اللفظ فيه بدون ذكر الصّلة التي يتحقق بها التعيين المذكور ويتم بحصولها ذلك المفهوم فذكر الصّلة مما يتوقف عليه حصول المفهوم المذكور ويفتقر إليه افتقارا ذاتيا حيث إن التقييد بهما مأخوذ في وضع تلك الألفاظ وإن كان القيد خارجا فلا تعقل إرادة ذلك المفهوم بدون وجود الصلة ولأجل ذلك لحقها البناء ولا يمكن استعمال تلك الألفاظ في معانيها إلا مع ذكر صلاتها وإن أمكن تصور ذلك المعنى ووضع اللفظ بإزائه من دون ضم صلة خاصة أو خصوصيات الصّلة على جهة الإجمال لكن يتوقف على ملاحظة تقييده بالصّلة ولو على وجه كلي حسبما أشرنا إليه فما أورد عليه من لزوم جواز استعمال الذي في مطلق الشيء المتعيّن بصلته مبني على الخلط بين الاعتبارين مضافا إلى أن المفهوم من الذي في جميع استعمالاته هو نفس الشيء وإنما الاختلاف في الخصوصيات المأخوذة معه فالقول بكون الوضع في الموصولات عاما والموضوع له خاصا كما ترى ولو مع الغض على ما ذكرنا فلا تغفل وأمّا الحروف فلأنها موضوعة للمعاني الرّابطية المتقومة بمتعلقاتها الملحوظة مرآة لحال غيرها جسما نقل في محلّه وذلك المعنى الرّابطي وإن أخذ في الوضع على وجه كلي إلا أنه لا يمكن إرادته من اللّفظ إلا بذكر ما يرتبط به فلا يمكن استعمال اللفظ في ذلك المعنى الكلي إلا في ضمن الخصوصيات الحاصلة من ضم ما جعل مرآة لملاحظة تقوم المعنى الرابطي به فالحصول في ضمن الجزئي هنا أيضا من لوازم الاستعمال فيما وضعت له بالنظر إلى الاعتبار المأخوذ في وضعها له لا لتعلّق الوضع