الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
322
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
ومع البناء على حصول ترك الشيء بتركه في أن ما يلزم أن يكون تركه في كل آن متعلقا للمنع بناء على استلزام المنع من الشيء المنع من جميع أفراده في جميع الأزمنة كما هو مختار القائل بدلالة النهي على الدوام فلا يصح البناء على الفرق بين الأمرين ودعوى كون المنع من الترك تابعا لإيجابه فلو لم يكن إيجابه على سبيل التكرار لم يكن المنع منه لذلك مدفوع بأنا نقرر الكلام على فرض دلالة الأمر على طلب مطلق الطبيعة كما هو مختار معظم المحققين فيكون المنع من الترك التابع للأمر هو المنع من ترك نفس الطبيعة كما هو مدلول سائر النواهي الواردة من غير فرق أصلا فإذا صدق ترك الطبيعة بترك جميع أفرادها في آن واحد لزم أن يكون متعلقا للمنع أداء المفروض تعلق المنع بترك الطبيعة وقضاء بتركها في جميع الأزمان فلزم من ذلك أن يكون إيجادها في زمان نعم لو قلنا بدلالة الأمر على المرة تم ما ذكر إلا أنه غير ما هو المفروض في التقرير المذكور فظهر بما قررنا صحة ما ذكرنا من كون مفاد ترك الطبيعة تركها في جميع الأزمان وهو الذي يتعلق المنع عند الأمر بالفعل ويحصل امتثاله بأداء المطلوب ولو مرة واحدة كما مر بيانه في محله وقد تبين بملاحظة جميع ما بيناه ضعف ما أورده المحقق المحشي رحمه الله من منع اقتضاء النهي سلب جميع الأفراد فإن ورد النفي على المفهوم إجزاء وإنشاء يتصور على وجهين ووروده في ضمن جميع أفراده ووروده عليه في الجملة بحيث يصلح تحققه في ضمن السلب الكلي والسلب الجزئي فلا يلزم ترك جميع الأفراد ولو في آن واحد أيضا انتهى ملخصا كيف وصريح العرف ينادي بخلاف ما ذكره وليس المطلوب بالنهي إلا عدم إيجاد الفعل كما مر وهو رفع لما هو المطلوب بالأمر وكيف يعقل دفع إيجاد الفعل مع فرض الإتيان به ولو صح ما ذكر لما أمكن عصيان النهي لعدم إمكان الإتيان بجميع أفراد الفعل ولا محالة يكون الحال ببعض الأفراد المنهي عنه تاركا لبعضها بل ما يأتي به مما لا يتناهى من أفراده فيكون مفاد النهي أمرا بفرد حسب الحصول فما ذكره من الاحتمال فاسد قطعا لا مجال للخلاف فيه فدلالة النهي على كون المطلوب ترك جميع أفراد المنهي عنه ولو في زمان واحد مقطوع به غير قابل للنزاع إنما الكلام في دلالته على اعتبار دوام الترك المفروض وعدمه وقد عرفت دلالته على ذلك حسبما بيناه ثانيهما أن يكون مقصوده بذلك الرجوع إلى المتبادر من الصيغة هو المنع من إدخال ماهية الفعل في الوجود مطلقا وذلك إنما يتحقق بعدم إدخال شيء من أفرادها في الوجود فيكون قوله إذا نهى السيد إلى آخره استشهادا بالمثال المذكور على حصول التبادر وعد جماعة منهم الآمدي والعلامة في النهاية والفاضل الجواد ذلك دليلا برأسه على المطلوب وهو رجوع إلى التبادر المدعى ويدفعه حينئذ المنع من استناد التبادر إلى نفس اللفظ وإنما ذلك من جهة استلزام مدلول اللفظ فالانتقال إليه إنما يكون بتوسط ذلك فإن أريد بذلك الاستناد إليه في وضع النهي للدوام فهو ممنوع وإن أريد التمسك به في استفادته الدوام منه في الجملة فمسلم ومرجعه إلى ما قررناه وقد يمنع من حصول التبادر وفهم العرف للدوام وهو ضعيف كما عرفت نعم لو قام هناك قرينة على إرادة الدوام لم يفهم منه ذلك كما لو اشتغل أحد بضرب زيد فيقول له لا تضرب زيدا فإن المستفاد حينئذ من اللفظ نهيه عما يقع منه من الضرب دون منعه منه على سبيل الدوام كما هو الحال في نواهي الطبيب بالنسبة إلى المريض فالاستشهاد بذلك على المنع من حصول التبادر بالنسبة إلى المجرد عن القرينة كما هو محط النظر في المقام كما ترى هذا وقد يستدل أيضا على القول المذكور بوجوه آخر منها دعوى الإجماع عليه فإن العلماء لم يزالوا يستدلون بالنواهي على الدوام من غير نكير وقد حكى ذلك عنهم جماعة من الخاصة والعامة فمن الخاصة العلامة في النهاية والسيد العميدي في المنية وشيخنا البهائي في الزبدة والفاضل الجواد والتوني في الوافية وغيرهم ومن العامة الحاجبي والعضدي وغيرهما ويرد عليه مثل ما مر من عدم دلالة ذلك على حصول الوضع غاية الأمر حصول الاستفادة ولو من جهة الالتزام العقلي أو العرفي فإن أريد بذلك بيان حصول مجرد الدلالة في الجملة فهو متجه وإن أريد الاستناد إليه في حصول الوضع فهو ضعيف ودعوى أصالة كون الدلالة تضمنية عند الدوران بينهما وبين الالتزامية مما لا يعرف الوجه فيه والقول بأن الدلالة الالتزامية مغايرة بالذات لدلالة المطابقية بخلاف التضمنية لإيجادهما بالذات وتغايرهما بحسب الاعتبار فبأصالة عدم تعدد أصل الدلالة يترجح كون الدلالة في المقام تضمنية مما لا يصغى إليه لو سلم قضاء الأصل بذلك لدوران الأمر في المقام مدار الظن وعدم حصوله من التخريج المذكور واضح جدا ثم إنه قد يمنع في المقام من جريان طريقتهم على ذلك أو من دلالته على فرض ثبوته على استفادته من اللفظ فقد يكون ذلك من جهة انضمام القرائن ولا وجه له بعد نقل الجماعة استنادهم في فهم الدوام إلى مجرد النواهي الواردة ومنها أن مبادي الأفعال نكرات في المعنى فإذا وردت في سياق النفي أو النهي أفادت العموم وأورد عليه بالمنع من جريان ذلك في المصادر التي في ضمن الأفعال سيما في المقام غاية الأمر أن يسلم ذلك في النكرة المصرحة ويدفعه فهم اشتراك بالعرف وقد يورد عليه أيضا بأن غاية ما يستفاد من النكرة في سياق النفي الحكم عن جميع الأوقات والأزمان فلا ألا ترى أن قولك لا رجل في الدار لا يفيد نفي وجود الرجل فيها في كل زمان وفيه أنه إنما يتبع الزمان الذي وقع الحكم بالنسبة إليه من الماضي والحال والاستقبال ويفيد عدم الحكم بالنسبة إلى ذلك الزمان إن كان قابلا له وأما قولك لا رجل في الدار فلا يفيد إلا النفي في الحال كما هو قضية الجملة الاسمية في الإثبات فالأولى الإيراد عليه بأنه لا دلالة في ذلك على ثبوت الوضع سيجيء بيانه إن شاء اللّه من عدم وضع النكرة في سياق النفي للعموم فإن أريد بما ذكر انحصار الموضوعية للعموم لم يتجه ذلك وإلا كان وجها كما عرفت ومنها ما أشار إليه شيخنا البهائي في حاشية الزبدة وحكاه الفاضل الجواد في الشرح وهو أن ترك الفعل في وقت من الأوقات أمر عادي للمكلف حاصل منه بحسب العادة فلا حاجة إلى المعنى فلو لم يكن النهي مفيدا للدوام لكان صدورها من الحكيم لغوا وأورد عليه تارة بأن من قال بأن النهي للمرة قال بالفور كما هو ظاهر من كلام بعضهم حيث صرح بأن النهي لا يفيد الانتفاء إلا الانتفاء في الوقت الذي وقت النطق بالنهي فلا يلزم عيب على مذهبهم وكذا عند من يجعله مشتركا فإنه يتوقف في الحكم إلى أن يظهر دليل وحينئذ فلا يلزم من كون الترك عاديا